Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
كايسيد والفرنسيكان..طريق العيش المشترك

إميل أمين



السبت 03-11-2018

 

 

نهار الجمعة الماضي شهد دير الآباء الفرنسيسكان بضاحية المقطم في القاهرة لقاءا فريدا من نوعه يعيد ذكرى أيام خوالي جميلة  حتى وإن مر عليها ثمانية قرون، فقد جرت به المقادير في القرن الثالث عشر الميلادي .

 

الحدث الذي نحن بشأنه كان لقاء شعبويا ونخبويا جمع بين المسلمين والمسيحيين، برعاية رهبنة الآباء الفرنسيسكان ، تلك الجماعة الصوفية تقريبا التي أسس لها الشاب الإيطالي فرنسيس الاسيزي وفي زمن اشتعلت فيه الخلافات إلى حد الحروب بين الشرق والغرب ، تلك الحروب التي عرفها الحرب بأنها حروب الفرنجة ، فيما ذهب الغرب إلى إطلاق اسم الحروب الصليبية عليها .

 

الجانب الآخر من لقاء الجمعة الفائتة تمثل في مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين إتباع الأديان والثقافات " كايسيد" ومركزه الرئيسي فيينا ، والذي يهدف إلى تفعيل الحوار وتعزيز التعايش المشترك بين الأجيال الشابة وبخاصة في المناطق التي تعيش أزمات متباينة  بسبب التعددية الفكرية والثقافية ، الدينية والمذهبية .

 

اللقاء المشار إليه مثل بالفعل كافة طبقات المجتمع المصري الذي عرف بتلاحمه الديني والإيماني ، الإنساني والوجداني منذ القدم ، حتى في عصور المصريين القدماء وأزمنة الفراعنة العظام ، لم يحدث أن حاول كهنة آمون القضاء على  كهنة آتون ، بل ظلت حرية الاختيار الديني قائمة  دون مواراة او مداراة.

 

 الأمسية الجميلة التي ولدت بين أحضان جبل المقطم الشامخ ، بدأت بعرض فيلم تسجيلي جميل عن مقابلة فرنسيس الاسيزي مع السلطان الكامل في مصر عام 1219 .

 

 القصة تاريخية وبها تفاصيل كثيرة أوسع من المسطح المتاح للكتابة  لكن باختصار غير مخل هي قصة متصوف مسيحي إيطالي وقف في وجه الرغبة  الدموية  في الحروب ، وطالب بالسلام والوئام وبالحوار المشترك ، وبالتعايش الواحد كطريق من أجل سلام عادل وشامل حول الأرض وبين الشرق والغرب ، الإسلام والمسيحية إلى المنتهى .

 

الفيلم يظهر الود الذي أظهره السلطان الكامل الأيوبي تجاه فرنسيس وكيف أكرم وفادته ، ولم يغير أحدهما دين الآخر أو إيمانه ، وإنما احترم كل منهما الآخر ، إلى الدرجة التي جعلت فرنسيس رجل الدين المسيحي يقبل دعوة  الصلاة في المسجد مع السلطان الكامل بقوله :" إن ربي يفهم لغة دعائي ".

 

الكلمات التي ألقيت في تلك الأمسية شددت على أن مثال فرنسيس والسلطان يمكن أن يمضي قدما في حاضرات أيامنا ، وهذا ما أشار إليه السيد فهد أبو النصر المدير العام لمركز الملك عبد الله في تلك الأمسية ، والذي أشار إلى  سعادته بحضوره ومشاركته سيما وأنه يرى أمامه وعلى أرض الواقع حوارا حيا معاشا ، وقد استمع إلى  مبادرات متعددة  جميعها يصب في صالح بناء نسيج اجتماعي وإنساني خلاق يسعى لبناء الجسور وتحطيم الحواجز والجدران تجاه الآخر .

 

تعرف كايسيد بأنها تطلق منصات حوارية ، وتجمع دوما  أبناء المعاهد الدينية ، وتسعى إفريقيا  وعربيا  من أجل لم الشمل وجمع الكل في واحد ، الأمر الذي اكسب المركز حضورا ومصداقية عاليين حول العالم .

 

ولعل المداخلات التي انطلقت  في تلك الأمسية من الشيوخ  الأكارم والآباء الأساقفة الأجلاء ، وفي المقدمة كلمة السفير البابوي في مصر موزارو برونو والذي يمثل بابا الفاتيكان في أرض مصر المحروسة ، تبين أن مصر بخير ، وأن اللحمة والسدى بين أبنائها  قوية إلى أبعد حد ومد، بل إن حضور بعض رجالات الأزهر الشريف من شباب الأكاديميين ومن مرصد الأزهر تحديدا ، قد اسبغ مذاقا خاصا على  الندوة الحوارية .

 

 يظل هذا اللقاء الذي جرى في دمياط قبل ثمانمائة عام لغزا كبيرا ومحيرا للعقول ، فما الذي كان يفكر فيه  فرنسيس الاسيزي  وهو يرى الدماء  تسيل هنا وهناك ، وما الذي دفعه إلى هذه الخطوة  الغير محسوبة  وفقا للمنطق البشري . كيف تحدى رؤية الكنيسة  وقرارها  في ذلك الوقت  دون الانفصال عنها ؟ وعلى  الجانب الآخر كيف تقبل الملك الكامل فرنسيس ورفيقه اللوميناتو بالرغم من رؤيته لغزوهم أراضيه وقتلهم لجنوده؟

 

يحتمل الجواب كلام كثير ومهم ، فيما الخلاصة أنه وجد هناك رجُلين في زمن صعب ، لكن إرادة العيش الصادق الإنساني جعلت من الأمر ممكنا بل محبوبا ومرغوبا .

 

 يلقى لقاء دمياط على عالمنا المعاصر بظلاله ، ويخلف من ورائه دروسا للأجيال الشابة أن تتعلم كيفية تهيئة الأرض بالسلام عوضا عن الخصام ، تلك الانشودة التي ما فتئ فرنسيس يرددها  في الحال والاستقبال ... اجعلني الهي أداة للسلام .

أضف تعليق