Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
باكو مدينة الرياح والجمال

حازم عبده



الجمعة 02-11-2018

تقول الحكاية المتوارثة في أذربيجان: إن أستاذاً أراد اختبار طلابه فسألهم: متى يأتي الشتاء في باكو؟ فكانت الإجابات: في نهاية الصيف أو نوفمبر أو بعد فصل الخريف، والأستاذ يقول: إجابة خاطئة، طالب واحد فقط أجاب: يأتي الشتاء في باكو عندما تهب الرياح. وهنا قال الأستاذ: جواب صحيح.

لم أدرك المعنى الكامن خلف هذه الحكاية إلا عندما زرت باكو الأسبوع الماضي، وكانت درجة الحرارة تشير إلى 12 مئوية مع سماء صافية وجو مشمس، ودون مقدمات هبت الريح وتلبدت السماء بالغيوم وانخفضت درجات الحرارة إلى ما دون الثلاث درجات، ولا أظن أن شتاءً يحتمل بالنسبة لنا سكان المناطق الحارة أكثر من ذلك، ولكن من رحمة الله بنا أن هدأت الريح وعاودت الشمس بزوغها لتبعث فينا الدفء، وتعيد إلينا بعض صيفنا المفقود.

تختلف الروايات والحكايات حول أصل تسمية باكو، المدينة الحالمة النائمة باطمئنان في أحضان بحر قزوين على شاطئه الغربي، تحديداً على الشاطئ الجنوبي لشبه جزيرة آبشوران، عامرة بخضرتها وغاباتها، ثرية بشعبها الجميل المتسامح المتصالح، وثقافتها وبناياتها العتيقة والحديثة، الواثقة من خطاها، وجذورها الضاربة إلى ما قبل التاريخ، حتى العصور الحجرية والبرونزية وصولاً إلى عصر النفط والنهضة الحديثة. إنها تذكرني بجميلتي الأخرى الرباط المغربية النائمة في أحضان المحيط الأطلسي على شاطئه الشرقي تغازل نهرها أبي الرقراق، بتاريخ عريق، وجمال فريد، وخضرة تسر الناظرين، غير أن الرواية الأقرب إلى القبول عندي أن اسم باكو مشتق من كلمة فارسيَّة قديمة هي "باد-كوبه"، وتعني "ريح منضربة" وبالتالي يقصد بها "المدينة التي تضربها الرياح"، حيث أن "باد" تعني ريح وكوبه مُشتقة من الفعل "كوبیدن" بمعنى يضرب، وبهذا فإن الاسم يشير إلى موقع الرياح العاتية على ساحل بحر قزوين، وبعدما عانيت من ريح، أذهب صريرها النوم عن أجفاننا وألزمنا مساكننا، لا أرجح إلا هذا التفسير لتسمية باكو.

ما أكثر المواقف والطرائف التي أتعرض لها خلال أسفاري في مهمات عمل، كانت هذه المهمة بدعوة من سفير أذربيجان لدى السعودية ومندوبها لدى منظمة التعاون الإسلامي الدبلوماسي القدير السفير شاهين عبداللاييف، ضمن برنامج الوفود الإعلامية في اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي. ضم الوفد إلى أذربيجان ثمانية من الزملاء والأصدقاء، وهم: زايد عبد الله المدير المساعد للاتحاد، والدكتورة جيهان ناصر من إدارة الإعلام بمنظمة التعاون، وقيس الفارسي نائب رئيس تحرير وكالة الأنباء العمانية، وعبدالرحيم الزهراني مدير مكتب وكالة الأنباء السعودية بالمدينة المنورة، وعبد الرحمن مبارك مدير تحرير وكالة الأنباء البحرينية، وعلي السيد مدير تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، وسعود الجنيبي رئيس الأخبار بوكالة الأنباء الإماراتية، وسلمى الهاني محررة الشؤون السياسية بوكالة تونس أفريقيا للأنباء.

بدأت المواقف معي مبكراً، فلم تنتظر حتى أصل الفندق. على باب الطائرة في مطار حيدرعلييف كنت أنتظر تلك اللحظة التي تستقبلني فيها صالة الضيوف وتنطلق بي السيارة إلى الفندق، السرير حلم بدا بعيد المنال، فاليوم الاثنين وأنا منذ يوم السبت لم أنم حيث ذهبت لمكتبي صباحاً، وغادرته في العاشرة والنصف مساءً لأعود إليه في الواحدة بعد منتصف الليل لأسافر إلى المدينة المنورة ومنها إلى الرياض ثم جدة مرة أخرى،  ومن مطار جدة مباشرة إلى اسطنبول ومنها إلى باكو، فإذا بفتاة جميلة أنيقة بيدها لافتة كتب عليها اسم واحد فقط من الوفد، وهو الزميل على السيد الذي انضم إلينا أثناء صعود الطائرة في إسطنبول، حاولت، بلا جدوى، إقناع الفتاة بأننا وفد واحد، وأن معي المدير المساعد وممثلة منظمة التعاون الإسلامي، والرد حاسم وصارم وقاطع: أسماؤكم ليست في الكشف لن يذهب معي إلا Ali alsayed، حاولت الاتصال لكن الجواب كان محبطاً، سلمت لها علي السيد، واستسلمنا لنخرج من الصالة العادية لا نعرف إلى أين، ولا وسيلة للتواصل، ولا نعرف اسم الفندق، حتى فكرنا في العودة إلى اسطنبول مرة أخرى، ولكن أنقذنا (الواي فاي) المفتوح في المطار فتواصلت مع الصديق عمران صادقوف في سفارة أذربيجان بالرياض الذي أجرى اتصالاته، فجاءنا مرافقنا ومترجمنا طوال الرحلة السيد كامل، أمام المطار لاستلامنا وأصر   أن يدخلنا إلى صالة الضيوف لنلتقي هناك رفيقنا على السيد مستمتعاً بواجب الضيافة، انطلقنا بعدها إلى فندق البولمان حيث اللقاء الأول بالسرير بعد أكثر من 48 ساعة من الفراق.

حاصرنا الأصدقاء الأذربيجانيون بأدبهم الجم، و"اعتذارهم" عن ذلك الخطأ الذي وقع حيث لم يخرج الفاكس من الكشف الموجه إلى مسؤولي الاستقبال سوى صفحة واحدة، واحتفظ في جوفه بالصفحة التي تضم أسماء الثلاثة القادمين من جدة، حتى أن مستشار مساعد الرئيس الدكتور بهروز حسنوف دعانا إلى العشاء يوم وصولنا بمطعم جميل عتيق يحمل اسم المدينة العريقة شكى، وقبل تناول العشاء كرر الرجل الاعتذار شفاهة وبحميمية اللقاء، فكل من قابلتهم قبل السفر إلى أذربيجان يقول بثقة سوف تسعدون وتعودون مرة أخرى أنتم وعائلاتكم، وأنا أتساءل لم كل هذه الثقة؟ إنها ليست كلمات مجاملة وانحياز لبلدهم بل هي حقيقية لقد تركت الحضارة بل الحضارات المتعاقبة التي نبتت أو وفدت واستوت على عودها في أرض أذربيجان تركت بصمتها في نفوس هذا الشعب المضياف حقاً، المحب لضيوفه المكرم لهم المحيطهم بكل تبجيل وتقدير، إنها حفاوة من القلب بإخلاص منقطع النظير في الاستضافة، فكنت أقول للزميلة سلمى الهاني: إنني لأعجب في هذه البلاد أقل شيء أتناوله أشعر بالشبع، بل رغم التعب والجولات المرهقة لم أشعر أبداً بالجوع، إنها روح التحضر المتأصلة في ذلك الشعب تصبغ كل شيء بحالة من الراحة والأريحية والاستمتاع بكل شيء.

إنها بلاد عريقة هي واسطة عقد حضارات عظيمة، وحواضر فاعلة من شكى إلى كابلا إلى شاماخي إلى كوبا إلى جابرئيل وكارابخ، تقع في مفترق الطرق بين أوروبا الشرقية وآسيا الغربية، صاحبة دور محوري ضمن صناع التاريخ الإنساني، وفي العصر الحديث كانت صاحبة التجربة الأولى في محيطها الإسلامي لبناء جمهورية ديمقراطية برلمانية، وفوق هذا هي جزء أصيل في الجسد الإسلامي فقد فتحها القائد حذيفة بن اليمان في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أما مرافقنا والشريك في استضافتنا شيخ الصحفيين الأذربيجانيين رئيس رابطة صحفيي منظمة التعاون الإسلامي فاضل عباسوف، فهو حكاية تستحق أن يكتب عنها مسلسل، فهو أديب وروائي وصحفي يجيد العربية كتابة وقراءة وأدباً وغناءً، تعلق بها منذ طفولته في كراباخ عندما وقعت يده على ورقة مصحف متطايرة من مكتبة إمام قتله السوفيت، ومزقوا مكتبته، في أربعينيات القرن الماضي، فذهب بها إلى جده وسأله: ما هذه الورقة؟ فأخذها جده وقبلها، وقال له: إنها من القرآن الكريم كتبت بالعربية. وشاء قدره أن يكون في صفوف القوات السورية في حرب أكتوبر 1973 بإحدى الوحدات التابعة للقوات الجوية.

ليس عباسوف وحده الذي تقرأ فيه تاريخ بلاده وحضارتها وكان جسراً بين أذربيجان والثقافة العربية الإسلامية، فهم كثر هؤلاء الرجال الذين يستحقون الكتابة ومنهم البروفسور رفيق علييف مدير مركز الدراسات الإسلامية (إرشاد) في باكو وصاحب القاموس العربي الأذربيجاني، وهو من أجل الإنجازات العلمية لربط العربية بالأذربيجانية وتسهيل التواصل بين اللغتين والثقافتين وقد سعدنا كثيراً بزيارته في صومعته بالمركز.

وللحديث بقية.

أضف تعليق