Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
حدث فى شارع الحبيب بورقيبة

د. لمياء محمود



الثلاثاء 30-10-2018

الزمان بعد منتصف النهار بقليل . المكان قلب العاصمة التونسية، وبالتحديد شارع الحبيب بورقيبة، ولمن لا يعرف هذا المكان ، فهو القلب ، القلب بمعنى القلب، أى الحركة ، والسرعة ، والتدفق ، والحرارة . هو شارع عريض طويل ممتد يبدأ بعد تلاقى مجموعة من الشوارع الرئيسية التى تقطن بها العديد من الوزارات والمؤسسات الحيوية والبنوك، وعلى يسار مدخله تقع وزارة الداخلية ، وقد حُوّل مسار السيارات من أمامها منذ عدة سنوات كاحتياطات أمنية. الشارع عريض، لكن نهره المخصص للسيارات بسيط ، فعلى جانبيه رصيف عريض تصطف به المقاهى والمطاعم العامرة بالآلاف، وفى وسطه حديقة عريضة ممتدة بطول الشارع تمارَس فيها كل الأنشطة الفنية والثقافية والإعلامية، وأيضا هى مكان للتعبير عن الرأى والاحتجاج المصرح به . فى منتصف الشارع تقريبا يقع المسرح الكبير الذى يعبر عن الحياة الفنية الراقية فى تونس ، وبه دور السينما والمحال التجارية والعديد من الفنادق . فى مدخل الشارع عاد منذ أشهر قليلة تمثال الحبيب بورقيبة الزعيم التونسى الراحل بعد غياب طويل ، وقرب نهايته - حيث نصل إلى تونس القديمة بشوارعها الضيقة المؤدية لنهج الزيتونة الذى يحتضن منذ قرون جامع الزيتونة الشهير قرين الجامع الأزهر الشريف بمصر وجامع القرويين بالمغرب - نجد تمثال الفيلسوف العربى الكبير ابن خلدون. وبالقرب من هذا التمثال كنيسة تاريخية عريقة تعود إلى أكثر من قرن من الزمان . يعنى باختصار فإن هذا الشارع هو ملخص التاريخ .

هذه هى صورة المكان بشكل عام كل يوم منذ الساعات الأولى من الصباح، أى الثامنة صباحا وحتى بعد الغروب بساعتين تقريبا ، منتهى النشاط والحركة ليس من أهل تونس وحدهم ، بل من كل الزائرين لها من كل الجنسيات ، فهذا هو الملتقى ، والمزار ، ومكان العمل ، وقضاء وقت الفراغ . وفجأة وفى هذه الساعة، ودون توقع ولا سابق إنذار سُمع دوى انفجار ، انتحارية تتحول وسط الناس إلى أشلاء - وربما يحمل هذا الصوت المزعج ، وهذه الصورة القبيحة ذكريات مؤلمة للكثيرين لأحداث وقعت فى فترات سابقة بشكل متفاوت ، وكان لها تأثيرها السلبى على كل مظاهر الحياة. فى لحظة توقفت الأرض عن الدوران، وتعلقت الأنظار، وتسارعت دقات القلوب، وربما توقف بعضها عن النبض خوفا وهلعا. هى لحظة واحدة ، بعدها بدأ الإدراك يعود ، ومحاولة الفهم تتصاعد، ماذا حدث ؟ ولماذا ؟ ألم يحن الوقت للتعافى، لتعود الحياة لمجراها ؟ ألم تثبت بعد القناعة بأن البلاد أولى بخيرها، ويجب أن تدور عجلة الحياة وتقهر ما دون ذلك ؟

 قبل أربع وعشرين ساعة فقط من هذه الصورة المؤلمة ، كان هذا المكان يعج بآلاف البشر يعيشون يومهم ، وقد تصادف وجود عملية تصوير لفيلم سينمائي ، فاصطفت الجماهير للمتابعة والتحية والمعايشة للحظة فنية جميلة، وبعد أيام تستقبل تونس ، أحداثا فنية مهمة يتم الإعداد لها بشكل جيد الآن، لتقول للعالم بلادنا عادت تنبض بالحياة ، وتستقبل السائحين من كل مكان . لكن والنبض توقف، والقلق يسيطر، تجمد كل شىء، حتى أبسط مظاهر الحياة تعطلت، أُغلقت الشوارع بالمتاريس ، وأبواب المحال التجارية ، المارة يُسرعون فى خطوهم خروجا من هذا المكان . فى لحظة تبدلت الأحوال . أُطفئت الأنوار فى المصابيح ، وقبلها انطفأت الأنوار فى العيون والعقول .

  فيا أعداء الحياة ، ماذا ستجنون من وراء ذلك ؟ هل تروى دماء من أصيبوا غليلكم ؟ - والحمد لله لا يوجد ضحايا - ، هل هروب السائحين وأصحاب الأعمال ، وما يتبعه من تردى الأحوال الاقتصادية - وقد بدأت تتعافى - سيرضيكم ؟   

   إن كل فم لن يجد لقمته الضرورية سيلعنكم ، ويصب غضبه وسخطه عليكم ، وقبل ذلك ، فالله فى علاه لن يرحمكم . وعاجلا أو آجلا سينزل بكم العقاب الدنيوي والإلهى.

أضف تعليق