Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
11 سبتمبر..الحوار والوصل لا العداء والفصل

إميل أمين



الجمعة 14-09-2018

تمر هذه الأيام الذكرى السابعة عشرة لأحداث ذلك اليوم الحزين والمأساوي الذي ضرب فيه الإرهاب الأسود نيويورك وواشنطن، في ملمح وملمس لفعل العداوة والكراهية، وفي محاولة لقطع الوصل الانساني، وتجذر الكراهية بين بني البشر من مشارق الشمس إلى مغاربها.

لعل ما حدث في ذلك اليوم يدعونا للتأمل مليا في حال الانسانية وأي طريق باتت تفضل.. طريق الوصل الإنساني والحوار والجوار، أم طريق القطع والفصل وظهور الأنبياء الكذبة أولئك المنفرين بأحاديث الصدام الحتمي بين بني البشر، من عينة صموئيل هنتنجتون صاحب نظرية صدام الحضارات، والذي أرسى من قبل برنارد لويس بدوره رؤية خلافية تقود إلى تقسيم العالم إلى قسمين الأشرار والأخيار.

لا يهمنا في هذه السطور الإشارة إلى  ما جرى في ذلك اليوم كحدث جنائي ومن الفاعل ، وهو سؤال لا يزال الجواب عليه غير واضح حتى الساعة ، لكن جل ما  يهمنا هو التوقف أمام إشكالية الحقد التي خلفها هذا الحدث والحروب التي ولدها ، وليس خافيا على أحد أن حروب أفغانستان والعراق، وحروب الإرهاب ما ظهر منها وما خفي ، جميعها قد تركت أثارا سلبية على مفاهيم الحوار والتواصل الإنساني، وجعلت الاحقاد بديلا جاهزا عن المحبة الإنسانية التي يتوجب أن تسود العالم ، وليس شرطا أن يكون عالما يوتوبيا طهرانيا ، بل عالم إنساني يصارع مسارب الشر، ويحاول جاهدا القضاء على خططهما استطاع إلى ذلك سبيلا.

لم تخلو الساحة العالمية من رجالات نبهوا الناس إلى فخ الكراهية الذي وقع فيه  العالم في ذلك النهار الحزين، سيما بعد الانجرار المباشر في طريق الحرب، وما أفرزته من حزازات في الصدور ومرارات على الالسنة لا تزال باقية حتى الساعة، وأغلب الظن أنها ستترك أثارا كبيرة عالقة في النفوس، ما يفتح مجالا واسعا للمزيد من العنف ويولد الاكثر من الرغبة في الانتقام ، وهكذا يجد التطرف والإرهاب حواضن جديدة يستقطب منها وقدوا لمعركة الكراهية والشر.

من بين الأصوات التي انبرت بسرعة شديدة تنبه لخطر السقوط في جب الخوف والكراهية كان البابا يوحنا بولس الثاني في الثاني عشر من سبتمبر، وفي لقاءه الأسبوعي مع شعوب العالم في ساحة الفاتيكان نهار الأربعاء، يؤكد على أن البشرية عاشت يوما مظلما في تاريخها، وأن ما جرى شكل تعديا على كرامة الإنسان ، وتساءل كيف يستطيع شخص ما أن يقوم بعمل وحشي كهذا، لكن مع ذلك ترك يوحنا بولس الثاني فسحة من الأمل، إذ أكد أن المؤمن يدرك أن الكلمة الأخيرة ليست للشر والموت ، مع أن قوة الظلمة تسود في بعض الأحيان، ويومها كانت الصلاة من أجل أن لا تطغى دوامة الحقد والعنف على القلوب والنفوس.

بعد أيام قليلة على تلك الواقعة الاممية الحزينة كان البابا على موعد مع زيارة جمهورية كازاخستان، وهي إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة ذات الغالبية العظمى الإسلامية، وقد نصحه المسؤولون الأمنيون بعدم القيام بهذه الزيارة لأسباب أمنية، سيما وأن أمريكا كانت قد أعلنت عن نواياها للقيام بعمل عسكري كبير تجاه أفغانستان البلد المجاور لأفغانستان، لكن البابا الراحل لم يستمع وقرر الذهاب عسى أن يكون في الأمر خيرا عوضا عن الشر الذي ساد.

من العاصمة الكازاخية "أستانة" أطلق البابا نداءا دعا فيه المسيحيين وأتباع باقي الديانات إلى التعاون المتبادل من أجل بناء عالم خال من العنف، عالم يحب الحياة وينمو في إطار العدالة والتعاضد.

يومها قال الرجل ذو الثوب الأبيض إنه لا ينبغي أن يشكل الدين سببا للصراعات ، وشجع المسلمين والكاثوليك على الصلاة معا إلى الله لكي يسود السلام الخليقة كلها .

من ذلك اليوم وحتى الساعة لا تزال البشرية حائرة ، وقد أثبتت التجربة أن الردود العسكرية المسلحة قد لا تكون هي الحلول الناجعة لمقاومة الكراهية ، بل هناك حاجة إلى منظومة فكرية عقائدية انسانية متكاملة للوقوف صفا في مواجهة سر الإثم الذي يعمل في الناس حتى الساعة ، ولينبت عوضا عنه سر المحبة وأسرار البعث والقيامة.

الذين قدر لهم زيارة موقع " غراوند زيرو " في مدينة نيويورك في موقع سقوط البرجين سوف يرى لوحة منقوش عليه أسماء نحو ثلاثة آلاف من ضحيا الثلاثاء الحزين، ينتمون إلى تسعين جنسية من دول العالم.

 هل للعالم الذي تألم معا أن يأمل ويعمل أيضا معا في تجاوز بحور الكراهية ويقفز على أزمنة ليل الروح التي قادت إلى تلك المأساة الإنسانية، ويصل بنا إلى فجر إنسانية جديدة قوامها التصالح والتسامح مع الذات ومع الآخرين؟

نعم قد تكون الطروحات والشروحات الكلامية والبلاغية يسيرة فيما الحلول الحقيقية على الأرض صعبة وعسيرة، لكن مهما يكن من أمر فإن رحلة الألف ميل تبدأ  بخطوة، وليس أفضل من خطوة التقارب الانساني، وتضافر الجهود البشرية، وفتح آفاق الحوار بين البشر من جسور في مواجهة جدران الخوف والكراهية من الآخر، وحتى نعبر إلى الثاني عشر من سبتمبر من دون إحساس بالمرارة والألم التاريخيين اللذان يلازمان الشعب الأمريكي بنوع خاص والخليقة بأسرها بشكل عام حتى اليوم .

سوف تنتصر الحياة على الموت، هذا مؤكد، لكنه انتصار في حاجة إلى جهود على الأرض حتى وإن جاءت في الساعة الحادية عشرة.

أضف تعليق