Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
مناسبات تُعزز من ثقافة اللقاء

إميل أمين



الجمعة 10-08-2018

ضمن الأدوات والآليات التي عمدت القوى الخارجية الكارهة تاريخيا للعالم العربي تفعيلها ، يأتي الحديث عن الفتنة الداخلية ، تلك التي تبدأ من عند تعميق مسالة الصراعات العرقية في الأوطان الزاخرة بأطياف وأطراف متعددة ومتنوعة بها ، أو اللعب على المسالة الطائفية بين المسلمين أنفسهم وذلك في الدول التي تعرف أكثر من مذهب إسلامي ، ويصل الحال بالمتآمرين حد السعي إلى الوقيعة بين المسلمين والمسيحيين في الوطن العربي بعد أن فرغت الأوطان العربية من اليهود العرب .

يحتاج الحديث عن اليهود العرب قراءة متأنية ومعمقة ، سيما وأن القصة مثيرة وتعد مفخرة للحضارة العربية التي عرفت التنوع والتعدد المذهبي من زمن هارون الرشيد حتى قيام دولة إسرائيل .

عاش اليهود أزهى عصورهم بين أحضان الدول العربية في القرون الوسطى ، وقد وجدوا فيها المأوى والملجأ الآمن بعدما عمدت الأصولية الأوربية في القرون الوسطى إلى إحراقهم وإغراقهم ، فلم يجدوا إلا العرب وبلادهم سواء في شمال أفريقيا أو في منطقة الهلال الخصيب.

شارك اليهود العرب في كافة مناحي الحياة وظهر بينهم النابغين من الأطباء ، وبرع المهندسون ، كما يقر المرء بان اليهود العرب قد لعبوا دورا كبيرا في النهضة العربية الحديثة وبخاصة الفنون كالمسارح والسينما والصحف ، ولم تكن المسالة الدينية يوما ما عائقا أو حاجزا بينهم وبين مباشرتهم لمواطنة كاملة غير منقوصة .يشهد علي ذلك  حتى الساعة المعابد اليهودية القائمة في جل العواصم العربية ، وفي مصر بنوع خاص ، وان كان يهود مصر لا يتجاوزوا أصابع اليد الواحدة .

لم تتغير المشاعر تجاه يهود العالم العربي إلا بعد قيام وارتقاء دولة إسرائيل على أسس عنصرية لم تعد تداريها أو تواريها ، سيما في أعقاب موافقة الكنيست على  قرار " القومية اليهودية للدولة ".

مهما يكن من أمر فقد عمدت آلة التفكيك والتفخيخ على المضي قدما في طريق إنهاك الدول العربية من الداخل عبر اللعب على المتناقضات الطائفية ، وقد كان حظ مصر ونصيبها من تلك المؤامرات كبيرا جدا ، وهذا ما رأيناه بأم الأعين في أغسطس من عام 2013 وعقب ثورة المصريين على  الإخوان المسلمين الذين حاولوا رهن مصر لفكر دوجمائي متطرف ، يجافي وينافي مسحة الإسلام المصري السمح والمعتدل عبر التاريخ .

قبل أربع سنوات من أيامنا هذه ذهبت الأيادي الشيطانية المحركة لتلك الجماعات المخترقة في طريق إشعال الفتنة الطائفية بين عنصري الأمة كما يقال ، وإن كان التعبير ينافي ويجافي الصواب ، فالمصريين عنصر واحد قبطي مسيحي وقبطي مسلم ، ورحم الله القطب الوفدي الكبير مكرم عبيد الذي صرح مرارا وتكرارا بأنه مسيحي دينا ومسلم وطنا .

قبل أربع سنوات حاول المغرضون إحداث شرخ كبير في جدار النسيج الاجتماعي المصري ، من خلال إحراق نحو مائة كنيسة، عطفا على العديد من المنشآت الأهلية والمؤسساتية ، انتقاما من الأقباط على شراكتهم بقية أهليهم من المصريين في الثورة على الإخوان في 30 يونيو من ذلك العام السعيد ، وأملا في ثورة من مسيحي مصر تذهب بسلام الوطن وأمنه الداخلي في مسارب الاحترب الأهلي والطائفي .

 أدرك قبط مصر في ذلك الوقت أن هناك من لا يريد لهذا الوطن الخير ولا يتطلع لأن ينجو من فخ الأصولية الشريرة ، ورغم الألم والمعاناة ، الخوف والرعب اللذان خيما على نفوسهم في ذلك النهار الحزين إلا أن ثقتهم وولائهم لوطنهم لم يتغيرا أو يهتزا ، وعرفوا أنهم سوية مع أشقائهم من المسلمين قادرون على عبور بحر الآلام ، واجتياز فخاخ الكراهية .

تحل الذكرى الرابعة لأغسطس ذاك الحزين هذه الأيام ، فيما مصر تعيش صوم السيدة العذراء ، ولمدة أسبوعين ، ولعل المفرح والمبهج للنفوس أن تتحول المناسبة الأليمة تلك ، إلى زمن ومناسبة شراكة حوار وجوار ، مودة وتراحم ، محبة صادقة ، وعلى غير المصدق أن يدلف إلى مواقع التواصل الاجتماعي ، وليشاهد التهنئة المتبادلة بين المسيحيين والمسلمين في الداخل المصري ، واللغة والحديث يكشفان أنها حقيقية في غير مراءاة أو كبرياء ، وليس في الأمر شيئ من التزيد أن أشرنا إلى هناك الكثير جدا من مسلمي مصر يشاركون إخوانهم المسيحيين في هذا الصيام

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العالمين آل عمران.

يقف المسلمون حول العالم برمته وليس في مصر فقط أمام الكرامة الفائقة التي أسبغها القرآن الكريم على السيدة مريم، وفي وقفتهم يتأملون ويتفكرون، ثم يتدبرون الرابط الذي يجمعهم مع أهل الكتاب ما يدعوهم لتعزيز ثقافة العيش الإنساني والإيماني الواحد ، في عالم حولت فيه العولمة وفي شقها السلبي البشر إلى آلات لا حس إنساني فيها أو لديها ، ولم يعد للروحانيات مكانة بعد أن طحنت الرأسمالية المتوحشة الجميع تحت تروس أسنانها القاسية .

حين نتحدث عن النموذج المصري للتعايش والتلاحم ، للحوار والجوار ، فإننا نطلق من نموذج إنساني وعقلاني زحمته خبرات آلاف السنين ، ولهذا فإنه يصلح  للمحاكاة الايجابية والخلاقة في كثير من المواقع والمواضع التي حولها سر الإثم إلى مقابر بشرية وبدل عذوبة الحياة فيها إلى مرارة الموت .

يحدونا الأمل في مستقبل مغاير لما عرفته أوطاننا خلال السنوات القليلة المنصرمة ، والأمل كل الأمل معقود بناصية الأجيال القادمة علها تكثر من نقاط التئام الشمل وتجعل الطريق للآخر عبر الجسور هو الحل ، وتزيل الجدران العالية من طريقها إلى فرح اللقاء وثقافته .

 

أضف تعليق