Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
إمسك إشاعة

شادية محمود



الثلاثاء 03-07-2018

شعور بالانقباض وإحساس مفزع  أن تقوم من نومك على خبر وفاتك وانتشاره بين الأقارب والزملاء والأصدقاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والأمر الأكثر بشاعة هو محاولة أثبات  أنك مازلت حيا ترزق وعلى قيد الحياة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو  لماذا يتعجل البعض موت المشاهير من الشخصيات البارزة والعامة والفنانين وكأنهم يحملونهم فوق رؤوسهم أو ينتظرون من وراء موتهم إرثا ، صحيح أن موتهم خبرا لكنه خبر يحمل  من الحزن والاكتئاب قدرا ما وأحيانا يكون مؤلما بقدر ما لدى الشخصية محل الشائعة من حب الجماهير والمواطنين ، وبالأمس القريب تعرضت شخصية عربية بارزة في مجال الاقتصاد والأعمال  لشائعة من هذا القبيل انتشرت على موقع التواصل الاجتماعي الشهير "تويتر"، وبعد ساعات نفت مصادر رفيعة المستوى هذا الخبر الذي انتشر بكثافة ، موضحة أن ماتم تداوله عبر مواقع إخبارية مجهولة الهوية في هذا الصدد يهدف إلى زعزعة الأمن العام ٠

الشائعات ظاهرة من الظواهر الخطيرة التي تظهر في المجتمعات، فلا تكاد تشرق شمس يوم جديد إلا ونسمع بإشاعة في مكان ما، وتعتبر الشائعات من أخطر الأسلحة المدمرة للمجتمعات والأشخاص، فكم قتلت  من أبرياء، حطمت من عظماء، وتسببت في جرائم، وقطعت علاقات وصلات رحم بين أفراد داخل أسر، وكم هزمت من جيوش على مر التاريخ، و تعد الشائعة من أقدم الكذبات في التاريخ، وشئ ملازم للإنسان على مدى الحياة -ولا تزال-، ولأنها  جزء من الحياة فقد تطورت بتطور الحياة، و تقدمت أساليبها من الشائعة الشفهية التي تتداول بعد سماعها، إلى الشائعة الإلكترونية، والتي أصبحت أسرع في الترويج والنقل، إذ تصل إلى جميع أركان الدنيا في ثوان قليلة، بعد أن ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي والتطور التقني في جعل العالم قرية كونية صغيرة.  

ولإثارة الشائعات أهداف ومآرب، تختلف وتتنوع  تماشيا مع مبتغيات مثيروها، فمنها ما هو ربحي (مادي) يؤدى  إلى ارتفاع سعر سلعة معينة ، ومنها ما يكون خلفيته أهداف سياسية، أما اللعب واللهو فهو أحد  أهداف مثيري الشائعات، والشائعات التي تقوم على هذا المبدأ عادة ما تحوم حول المشاهير، وهناك عوامل وشروط تهيئ ظروف خلق الشائعة وتساهم في ترويجها، ومن ضمنها انعدام  المعلومات وندرة الأخبار و أهمية الموضوع بالنسبة للأفراد المعنيين، وغموض الأدلة الخاصة بموضوع الشائعة. وغالبا أيضا ما نجد الشائعة تحتوي على جزء صغير من الأخبار أو الحقائق، ولكن عند ترويجها تحاط بأجزاء خيالية بحيث يصعب فصل الحقيقة عن الخيال، أو يصعب التعرف على الحقيقة من الخيال وبهذا تظهر للوجود شيئا فشيئا، ومن الشائعات ما يصنعها المجتمع بنفسه خاصة في الأمور  المزمع أو المترقب حدوثها وذلك بكثرة ترديدها والسؤال عنها.

والإشاعة سلاحا على اعتبار أنها تشكل جزءا من العلاقات الاجتماعية، وهي خبر أو مجموعة أخبار زائفة تنتشر في المجتمع ، وتتداول بشكل سريع بين العامة ظنا منهم بصحتها ، وهى وإن كانت عالمية إلا أن ثقافتها مازالت تخترق المجتمعات العربية بشدة ، وقوة الشائعة تكون بقدر أهميتها وغموضها ، أما تصنيفها فقد شهد عدة محاولات من جانب كثير من الباحثين، واختلفوا حول الأسس التي يبنى عليها التقسيم ، فالعلاقات الاجتماعية بين الناس متشابكة، والدوافع الذاتية متباينة من مجتمع لآخر، ومن هنا بات من الصعب اقتراح تصنيف عام للشائعات بحيث يمكن تطبيقه على أي مجتمع، أو ليكون قاعدة عملية يعول عليها ، حتى وإن أعطى للباحث أو الدارس الخيوط التي تساعده في تفهم الموضوع ، وذلك لاختلاف الزاوية التي يقف عندها الباحثون دائما ، فقد يكون مثار الاهتمام الموضوع الذي تعالجه القصة الشائعة، أو الدافع الذي ورائها، أو معيار الزمن، أو الآثار الاجتماعية في المجتمع  سواء ضارة، أو مفيدة، أو سلبية.

والشائعات ليست وليدة اليوم ، وإنما هي قديمة قدم الجنس البشري، فمنذ فجر التاريخ عرف رجال الدين و السياسة والحرب الأقوال والأفعال التي تدفع الإنسان وتحركه، ولهذا فقد كانت مؤثرة  في أغلب الحضارات والثقافات عبر التاريخ، لأنها أحاديث يومية يتناولها الناس ويبلغ انتشارها سرعة قصوى تفوق سرعة انتشار النار في الهشيم، ولها أهداف وأغراض، ووسائل نقل، بحسب المجتمع والبيئة التي تسود فيها، حيث  اختراع المواقف والأحداث والكلام الذي لا  أصل له من الصحة ونشره بين الناس لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى شخصية ، وهذا هو المرض العضال الذي تعانى منه الأمم والشعوب على مر التاريخ ويطلقون عليه اسم الشائعة، لأنه أمر شاع أي انتشر وتفرق وذاع وظهر، وعندما عكفت عدد من مراكز الأبحاث والدراسات على دراسة ظاهرة الإشاعات، وسبل الحد من تأثيرها بين المجتمعات، تأكدت حقيقة أن "الإشاعة إحدى العمليات النفسية التي تهدف إلى التأثير المباشر في عقول الناس في مختلف المجتمعات، ومواجهتها تبدأ بمعرفة أسبابها".

ولخطورتها وأثرها المدمر على العلاقات، فقد جاءت الشريعة بحرب شديدة ضد الشائعات المؤثرة في المجتمع من خلال إعطاء الحاكم حق النظر في إنزال العقوبة المناسبة على مثيري الإشاعات ومروجيها خاصة تلك التي تضر بأمن الأمة، وقالت طائفة من العلماء بأن له الحق في قتلهم استنادا لقوله تعالى: "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا" صدق الله العظيم "سورة الأحزاب"٠

وحذرنا الله تعالى في كتابه العزيز من نقل الشائعات قبل التثبت من صدقها ومصدرها ، قال جل شأنه "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا" ، و قوله تعالى "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به" صدق الله العظيم (سورة النساء) إنكارا على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة، وقال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" صدق الله العظيم (سورة الحجرات)، وفي هذه الآية المباركة وصف الله تعالى مروجي الشائعات بالفسق، وحث الناس على التثبت والتبين قبل قبول الخبر الكاذب.

وروى الشيخان عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا).

إن ظاهرة الإشاعة في المجتمعات آفة مرضية تهدد كيان المجتمع ، وقد أصبحت في عصرنا الحالي عمل منظم يقوم على أسس مدروسة وفق أهداف محددة عبر وسائل تسير بسرعة الصوت والضوء عن طريق شبكة عنكبوتية وما تحتضنه من أدوات ووسائل تكنولوجية حديثة ، و في ظل كثرة مواقع التواصل الاجتماعي وانتشارها بين الفئات المختلفة ، فعلى رغم مما حققه التطور السريع لشبكة الانترنت من تيسيرات وكفاءة في تبادل المعلومات إلا إنه  أسهم أيضا في سرعة انتشار الشائعات ، وإعلام اليوم مع الأسف في المواقع الإلكترونية يعتمد في تسويقه على الإشاعات التي ترهق عيون وآذان الناس، من أخبار مختلقة لا تراعي ضميرا ولا يهمها استقرار المجتمعات وأمنها ووحدتها ، وأطاحت بما درسناه من  النظريات الإعلامية  في أكاديميات الإعلام ومدارس الصحافة، والتي كانت تشدد على مفهوم "المصداقية"، وأنها سر نجاح الوسيلة الإعلامية.

وينبغي على المجتمع توخي الحذر الشديد من النمو الهائل للشائعات عبر الإنترنت لأن الأضرار قد تكون هائلة ، ولابد له أيضا من الحذر من سلاح الشائعات الذي يقتنص مروجوه  ظروفا انتقالية لخدمة مآرب خاصة ،  هو وإن كان سلاح الجبناء إلا إنه  أحيانا يكون أفتك من الغازات والقنابل وأمضى من الرصاص ، فجراحة نازفة ونزيفه لا يلتئم وندوبه غائرة وآثاره لا تمحى ، سلاح رخيص ثمنه  كلمة مروجها في مأمن من العقاب.

أضف تعليق