Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
القدر والقمودي

إلهامي المليجي



الخميس 07-06-2018



مساء السادس والعشرين من الشهر الفائت، التقيت إعلامي ليبي صديقي، وأهداني نسخة من كتابين ، "القدر سر الله "، و"ليس الدين أحدا من الناس"،  للكاتب والباحث الليبي سالم القمودي ، ووعدت صديقي،  بأن أقدم لأحدهما عرضا هذا الأسبوع في مجلة "الأهرام العربي" ، بعدما علمت أن المؤلف في حالة صحية متأخرة بعد أن تملك منه المرض الخبيث ، ما اضطر بعض من أصدقائه إلى طباعة الكتابين على عجل ، طبعة محدودة ، وعكفت على قراءة كتاب “ القدر سر الله “ وكتبت عرضا له قدمته للمجلة ، متمنيا على القائمين على التحرير في المجلة ،  نشره في عدد الأسبوع الجاري ، ولأسباب اضطرارية  تم تأجيل نشر عرض الكتاب إلى العدد المقرر طباعته عقب عيد الفطر المبارك ، ومنذ ساعتين علمت أن روح سالم القمودي قد غادرتنا إلى عالم آخر، دون أن يطالع قراءه عرضا لكتابه على صفحات المجلة  ، وهكذا رتبنا وأبو بكر لأمر ، ولكن القدر كانت له ترتيبات أخرى، حيث أكد القدر الفكرة التي وصل لها كاتبنا الذي أصبح راحلا.

إن القدر اصطلاحاً هو: ما قدّره الله سبحانه من القضاء وحكم به ، والكلمة في اللغة تعني التقدير ، وإذا ما انتقلت إلى باب التفعيل يصبح معناها حكم به وقضى , وهناك الكثير من الآيات القرآنية التي تؤيد هذا التعريف.

إن القضاء والقدر مفهومان متداخلان متلازمان ، فأينما كان هناك قضاء كان هناك قدر يسبقه ويؤدي إليه ، وأينما كان هنالك قدر كان هناك قضاء يأتي ليحوله إلى وقائع وحوادث ونوازع في الواقع العملي ، حيث إن كل شيء بقدر يقدره عزيز مقتدر ، وكل شيء بقضاء يقضي به فيتحول من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فيتحقق قدر الله في خلقه.

وقد اختلف العلماء في تبيان الفرق بين القضاء والقدر وأيهما يسبق الآخر ، أو يؤدي إليه ، أم أنهما بمعنى واحد ؟ فمنهم من اعتبره تقدير الله للأشياء في الأزل أو حكم الله في الأزل ، بوجود الكائنات جميعا وبما قدره الله ، وأن قضاء الله هو حكمه بالشيء عند وقوعه أو تحقق قدر الله وتقديره للأشياء ، ومنهم من قال إنهما بمعنى واحد ويؤديان إلى ذات الطريق.

‪واختلف الفقهاء ، ومعهم اختلفت المذاهب في تعريف القدر ،  فالمعتزلة يرون أن القضاء والقدر مُعلَّق يقع عند العمل، وإرادة الإنسان هي الحَكَم بين حدوث الفعل أو عدمه.

أما المتصوفة فقد نهجوا مسلكًا وسطًا، كل شيء من الله هذا حق؛ ولكن الإنسان مُكَلَّف؛ وهو لهذا يُعَاقَب، وكل إنسان يَسَّره خالقه لِمَا خُلق له في علم الله الأزلي؛ وهو لهذا محل للعقاب والثواب.

علماء الكلام تبحروا كثيرا في الأمر والإرادة والمشيئة الإلهية .. وأفعال العباد وتعلقها بالقضاء والقدر . أحد أهم شيوخ المتصوفة “ الحسين بن منصور الحلاج “ اختار التجربة الصوفية المباشرة لحل هذه المعضلة بين اللطف الإلهي والقضاء والقدر الصراع بين الخير والشر الخير الذي يأمر به الله وبين الشر الذي يتنبأ بوقوعه والخير هو الأمر.. والشر هي الإرادة.

 لقد رضي الحلاج  بهذا النزاع ولم يكن يخيفه ، ليست المعرفة الفكرية للقضاء الإلهي هي التي تقربنا من الله ، بل إن الطريق هو الحب هو أنسب طريق للوصول إليه ، بمعنى خضوع القلب للأمر الإلهي في كل لحظة وهو الدعاء لأن الأمر غير مخلوق ،  بينما الإرادة مخلوقة الدعاء من قلب صادق ، وبهذا وضع حد لنقاش متكلمي عصره ( الأمر عين الجمع ) و ( الإرادة عين العلم ) فكل قلب إذا شغله السعي وراء الجزاء عن حرمة الأمر هو مرتزق وليس بخادم حق الله ، وكانت الوصية لمن يتبع منهجه  أن يكون مع الحق ،  وفي هذا يذكر انه قال : من لم يؤمن بالقدر فقد كفر ، ومن أحال المعاصي إلى الله فقد فجر.

الكاتب والمفكر الليبي سالم القمودي في كتابه المعنون بـ“ القدر سر الله “ ، استند في تسميته تلك إلى حديث للرسول الأعظم “ إذا ذكر القضاء فأمسكوا ، والقدر سر الله فلا تفتشوا عنه “ ، ما يعني أن القضاء شأن إلهي خالص لا علاقة لأحد من الخلق إنسا أو جنا أو ملائكة به، ولا يجب التفتيش عن القدر عند الدجالين أو المشعوذين أو المنجمين أو غيرهم لأنه سر الله ، وغيب من غيب الله ، لا نعلمه وليس من شأننا أن نعلمه أو نعرف عنه شيئا، ولا نقدر على ذلك.

وبعد كل لحظة قدر من أقدارنا تتحول إلى واقع مشاهد ومعروف بعد أن كانت غيبا لا نعلم عنه شيئا ، ونستأنف حياتنا من جديد ، نبني ونعمر ونخطط للمستقبل من جديد ، ونرسم ملامح الأهداف والآمال ، حتى تأتينا لحظة جديدة وحدث جديد وهكذا.

كتاب ممتع تظل خلال صفحاته التي تجاوزت الثلاثمائة في حال من الشغف دونما افتقاد للتواصل مع المولى،،ولقد تمنيت أن يضمنه آراء أصحاب الديانات الأخرى وكذا المذاهب المتعددة للقدر والقضاء.

بقي أن نذكر أن سالم القمودي خط كتابه في سجن جوددائم السياسي في مدينة الزاوية الليبية في غرة رمضان من العام 1425 هجريه الموافق 29 يونيه 2014 ميلادية  ، وسبق للكاتب أن قدم للمكتبة العربية ما يفوق الخمسة عشر مؤلفا ما يقترب من نصفها كان في مجال الفكر الديني في مقدمتها( من أجل نظرية إسلامية معاصرة في الفكر والحكم والسياسة)  وكتاب( الإسلام والدولة)  وصدرا عن دار الانتشار العربي اللبنانية بالإضافة إلى كتب( التغيير) و(الإنسان ليس عقلا،) و(سيكولوجية السلطة) و(حركة الفكر بين التلقائية والتوجيه القسري) و(الإسلام كمجاوز للحداثة وانتظام الأكوان).

أضف تعليق