Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
الأستاذ .. أحمد سعيد

د. لمياء محمود



الخميس 07-06-2018

هناك شخصيات يسعدك الحظ أن تلتقي بهم في حياتك، وأن يمتد بهم العمر لكي تكتشف أبعادًا كثيرة لهم ولفكرهم ولدورهم في الحياة . من أبرز هذه الشخصيات الإذاعي الكبير الرئيس المؤسس لإذاعة صوت العرب، الأستاذ أحمد سعيد.

كانت البداية معه في أواخر الثمانينيات وبالتحديد عام 1987 ، عندما كنت أعد رسالة الماجستير عن تأثير العلاقات السياسية العربية فى المضمون الإخباري لإذاعة صوت العرب ، دراسة تحليلية مقارنة . وكانت الدراسة تتناول صوت العرب ودوره على الساحة العربية منذ بدايته عام 1953 وحتى الوقت المواكب لإعداد الدراسة . وسألني أحد الأساتذة في صوت العرب ، هل التقيت بالأستاذ ؟ فكان طرح السؤال على مفاجأة وتساءلت : هل أستطيع مقابلته ؟ فأجاب طبعا ولابد، وقام هو بالترتيب ، وجاء موعد اللقاء مساء إحدى الأيام الشتوية ، ذهبنا للأستاذ ، وما إن دق جرس الباب حتى فُتح لأجد قامة سامقة وإلى جواره السيدة الفاضلة زوجته ، يليهما الابنة والابن ، وكانا تقريبًا في مثل عمري.

دخلنا وبدأ التعارف ، وشرحت المهمة التي أقوم بها ، وكنت بالطبع قد أعددت نفسي إعدادًا خاصًا لهذا اللقاء بتركيز الكثير من التفاصيل التي أنا بصدد دراستها ، فما كان منه إلا أن شرح لي بعض النقاط بسرعة وقال سأجهز لك التفاصيل، وعليك أن تتواصلي معي لتحديد موعد لاحق للقاء لترتيب النقاط ، وأشرح لك التفاصيل.

وكان اللقاء بداية لمجموعة كبيرة من اللقاءات المطولة المعمقة المفيدة جدًا ، والحافلة بالكثير من التفاصيل التي لم تكتب في كتب ، وليس لها أي تدوين ، وكانت بمثابة شهادة عيان للقضايا العربية خلال الفترة من ثورة يوليو 1952 وحتى نكسة يونيو 1967 ، بل وزاد باقتراح مراجع باللغة العربية واللغة الإنجليزية تتناول هذه الفترة ، والفترات التالية أيضًا ، حيث يدهشك أنه مطلع ـ بكل التفاصيل وبفكر الخبير ـ على الإعلام محليًا وعربيًا وعالميًا ، كما لو كان حاضرًا فى المشهد الإعلامي بكل قوة.

حكى لى ـ ودوّنت وراءه وقمت بالتسجيل ـ عن بداية صوت العرب ، والدور في المغرب ، والدور في الجزائر ، والدور في الجنوب العربي ، والدور في مواجهة حلف بغداد ، والدور في القضية الفلسطينية ، والدور في الخليج العربي ، والدور فى اليمن ، تفاصيل كثيرة كثيرة ، وكان دائمًا يدعمها بالمستندات ، وهى عبارة عن صفحات من جرائد ومجلات مصرية وعربية وأجنبية ، وصفحات من كتب لمؤرخين ومحللين من بلدان متعددة عن هذه الأحداث وتفاصيلها .

وتصورت بعد ذلك أن الأستاذ قد أنهى مهمته معي بتقديم هذه التفاصيل التي كان لها دور كبير في إتمام الدراسة ، لكنني أفاجأ ذات يوم وقبل عيد الأضحى بأيام قليلة بخطاب يصلني على الإذاعة ، فتحته فوجدت بطاقة تهنئة بالعيد ، لم أصدق نفسي ، ومررت على كل زملائي بفخر كبير أحكى لهم وأجعلهم يقرأون المكتوب على بطاقة التهنئة بخط يده . تأكدت من ذلك الوقت أن الشخصية القديرة لا تتجزأ ، وأنه عندما صنع نجاحًا منقطع النظير بعدد محدود جدًا من الإذاعيين الذين تشرفوا بالعمل معه خلال فترة رئاسته فى صوت العرب على مدى أربعة عشر عامًا ، لم يكن بمحض الصدفة ، أو بشكل إداري تقليدي ، وإنما كان بحكمة ومحبة وقناعة تامة بنهج العمل ، وقضايا الأمة والفكر القومي العربي في هذه المرحلة المهمة جدًا من تاريخ النضال العربي.

امتدت العلاقة سنوات وسنوات ، وأخبرني أنه يكتب مذكرات ، ليست مذكرات شخصية ، بل هي شهادة على الفترة التي كان فيها في قلب الأحداث ، ومشاركًا فى صنعها ، وله رأى ودور فى سيرها . وفى كل مناسبة من المناسبات القومية العربية ، كان يمدني ـ وأتشرف بذلك ـ بجزء من هذه المذكرات ، وأيضًا أبحاث ودراسات قام بإعدادها عنها ، وكان لا يتأخر أن نسجل معه بصوته هذه الشهادة لساعات وساعات.

وكان ـ ولظروفه الصحية ـ كان يؤكد علينا دائمًا أنه لا يستطيع الإطالة فى التفاصيل ، غير أنه بمجرد بدء العمل ينسى كل ذلك تمامًا ، ويستمر لساعات في الحديث والتوثيق بشكل ممتع وسلس ومنظم ، وهو ما نعتبره كنزًا إذاعيًا لا يمتلكه غير صوت العرب . لم يفتنا أن نفتح معه موضوع النكسة ، وبيانات حرب يونيو التي اتُهم بسببها ، واعتبره البعض مسئولًا عن الهزيمة ، كما لو كان هو الجيش الذي يحارب على جبهة القتال . قال واقتنعنا ـ لأننا نعرف طبيعة العمل الإذاعي ولأنه سرد المبررات ـ هو في الإذاعة كالجندي فى المعركة ، لا يملك تغيير أي شيء من التعليمات أو البيانات التي كانت البيانات ترد من القيادة العليا للقوات المسلحة ، وكانت الإذاعة تقوم بإذاعتها ، ولا تملك ، وليس لها حق حذف حرف واحد منها . ولكن ما إن تكشفت الحقيقة توقف عن إذاعة أي شيء ، وكتب تعليقًا إخباريًا يوم الثلاثاء 13 يونيو 1967 بعنوان "واجب المائة مليون بعد النكسة" ، قرأه بصوته ـ ولدى نسخة كاملة منه ـ يحلل فيه أسباب ما حدث ، وماذا يريد منا الاستعمار ؟ وأين تقف منا دول العالم ؟ وما هي الأسلحة السياسية وغير السياسية التي يجب أن نخوض بها المعركة القادمة ؟ ويطلب فيه البحث لتفادى نتائج ما حدث وتجاوزه بسرعة . لم يدخل معارك لإثبات موقفه ، لكنه قاله بعد مرور سنوات طويلة تزيد عن خمسة وعشرين عامًا ، ومن يصدق ويستوعب سيفهم حقيقة ما حدث ، لكن وللأسف استمر البعض يردد نفس الكلام بحدة وافتئات على الرجل الذي ظل متماسكًا لآخر يوم في عمره ، مدافعًا عن العروبة والقومية العربية ، معبرًا عن وطنية صادقة مخلصة ، ومبادئ سامية تنطق بها كل كلمة يقولها ، وكل سلوك يسلكه.

ويرحل الأستاذ ، حاملًا ذكرياته في سني حياته العملية التي لم تصل إلى عقدين من الزمان ، لكن بها من الزخم والفعل والإنجاز ما يمكن أن يقوم به عشرات الأفراد في مئات السنين . رحم الله الأستاذ أحمد سعيد.   

أضف تعليق