Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
شهر الانتصار

حازم عبده



الأربعاء 16-05-2018

كل عام والجميع بخير، عاد شهر الخير والانتصار، شهر رمضان الذي يطغى وجوده على ما عداه، شهر تعود الروح فيه لصفائها، تبحث عن عمل الخير لينفعها في الدنيا والآخرة، إنه شهر الانتصار على الذوات الشريرة الكامنة في النفوس، فيه يلتقط الإنسان أنفاسه من حالة الصراع المتواصل طوال العام.

كأنه الشهر الوحيد الذي يغاث فيه الناس، بعد قحط روحي صنعته دوامة الحياة التي لا تتوقف، ففيه يهنئ المتصالحون والمتخاصمون بعضهم البعض، وفيه يتسامح الناس، فيفرض الشهر حالته على العالم الإسلامي لتتصدر صور مظاهر رمضان تغطيات وكالات الأنباء ووسائل الإعلام، فهو الشهر المميز للمسلمين في كل العالم، بطقوسه وعباداته وأجوائه.

في رمضان يحيي المسلمون كثيراً من سنن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وليتهم يحيونها جميعاً، ويتمسكون بها طوال العام، فكان صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان، أجود في كل شيء في العبادات والمعاملات والعطاء والتسامح، فكما يقول صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن رب العزة تبارك وتعالي " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ"

فالصوم هو العبادة الوحيدة الخالصة لله تعالي واختص بها نفسه، وجعل الجزاء عليه من عنده بشرط أن تكون بغاياتها التي سن الله تعالي الصوم من أجلها فيقول تعالي في محكم التنزيل:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" فالغاية ليست الامتناع عن شهوتي البطن والفرج، وإنما التقوى، والتقوى كما عرفها الإمام على بن أب طالب كرم الله وجهه هي :  "التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل".

إذن لا يتم الصوم إلا بتحقق غايته، وهي التقوى، بما تعنيه من الخوف من الله تعالى فمن خاف من الله لم يعصه واستقام مع نفسه وفيما بينه وبين الناس، ونقى نفسه من الكراهية والحقد والضغينة والفحشاء وقول الزور، والكذب والنفاق، ورمي الناس بالباطل، وأكل أموالهم بالباطل، أو تعطيل مصالحهم، أو ظلمهم وإنكار حقوقهم لهوى في نفسه، من خاف الله لم ينازعه في سلطانه بخاصة في الحياة والموت، فهو وحده المحيي المميت وليس العبد الضعيف الذي غرته الأماني، فسقط في طغيانه يعمه.

من معالم التقوى ولزومياتها العمل بالتنزيل، العمل بما جاء في كتاب الله الذي دعاناً إلى الاستقامة والبعد عن المعاصي، وألزمنا بحسن المعاملة مع بعضنا البعض، ومع غيرنا مهما كان الاختلاف معه، وأمرنا بأن نقيم الوزن بالقسط وألا نخسر الميزان، والميزان ليس فقط الموازين والمكاييل في البيع والشراء وإنما أيضاً في الحقوق والواجبات والمهام والأعمال، فالاقتراب بالباطل من الحقوق هو من ألوان الظلم، والظلم ظلمات، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).

أما الاستعداد ليوم الرحيل الذي إن جاز القول فهو الركن الثالث من أركان التقوى، وهو الذي كثيراً ما نغفل عنه ونظن أنا سنعيش أبدا وسنخلد في الدنيا، فلا ننظر فيما أعددنا لهذا اليوم الذي هو آت لا محالة، بينما يحسم الله تعالى الأمر مخاطباً حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم" إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ"، قضى الأمر، " كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ".

إن الانتصار الحقيقي في هذا الشهر الكريم أن نحقق الغاية منه، وهي التقوى بكل ما تعني، ولنتسامح ولنتصالح ولنتعقل ونتوقف مع أنفسنا لنخلصها من الحقد والغل، ومتى حققنا ذلك انتهت صراعاتنا المحمومة على دنيا فانية. غشينا الله في هذا الشهر برحمته وغفر لنا ما تقدم وما تأخر، وكتبنا في زمرة العتقاء من النار.

أضف تعليق