Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
تعديل مقاسات الأخبار

أمينة خيري



الإثنين 14-05-2018

مسؤولية الشاشات عما يجري في عدد من الدول العربية من محاولات تغيير انقلبت جهود هدم وتفتيت واقتتالات أهلية وصراعات إقليمية تظل سؤالاً مطروحًا للتفكير، وتظل الإجابة عصية على البلورة لحين إشعار آخر.

فموجات التغيير الهادرة التي اندلعت في دول عربية عدة قبل نحو سبع سنوات، وما زالت آثارها الجانبية وعواقبها المدمرة تخيم على المنطقة العربية برمتها انطلقت عبر شاشات عربية إقليمية قدمت نفسها باعتبارها منصة "الرأي والرأي الآخر"، وأخرى محلية حاولت أن تحذو حذوها وضغطت تدريجيًا على قيود الرقابة المحلية حتى تزحزح هامش الانتقاد رويدًا وتحول الكثير من الشاشات إلى منصات للاعتراض والمطالبات بالتغيير ومناشدات التعديل.

ويبدو أن عددًا من الأنظمة العربية آمن بمبدأ السماح لهامش الحريات بالاتساع في القنوات التلفزيونية وغيرها من وسائل الإعلام علها تكون صمامات أمان للطرفين: الحاكم والمحكوم، فالأخير يعبر عن نفسه ويطلق العنان لشحنات الغضب المتراكمة أولاً بأول تعبر عن نفسها عبر تقارير مصورة عن حياة المواطنين الصعبة وفقرات مسجلة لضيوف ينتقدون الأوضاع ويطالبون بإصلاحات وبرامج "توك شو" متفجرة حماسة وصراحة وشجاعة حيث يصب المذيع أو المذيعة جام الغضب على المسؤولين والوزراء المتقاعسين والمتهاونين والمتجاهلين لمطالب الشعب. ومن شأن هذا الصمام أن يشعر جموع المشاهدين بأن جانبًا من معاناتهم ومشكلاتهم قد تم تخفيفه وجرى تسهيله، وهو الشعور الكاذب الذي يتمكن من صاحبه فينقذه من غياهب القلق والمعاناة، وينقذ الحاكم من غياهب القلق على حكمه والمعاناة من إسكات التظاهرات وقمع الاعتراضات على الأرض.

لكن الوضع على الأرض تبدل بانتقال صمام الأمان من مرحلة هامش الحرية المتسع على الشاشات إلى هامش الحرية الضيق على الأرض، وذلك في مواجهة التظاهرات التي شجعتها الشاشات الإقليمية ذات "الرأي والرأي الآخر" ومن سار على نهجها محليًا.

ومحليًا، وفي كل دولة عربية عبر شاشاتها المحلية بدأت ردود فعل الشاشات تتبدل وتتحول، ورسالاتها تتغير وتتطور استجابة لما هو واقع على الأرض. الدول الواقعة في براثن اقتتالات أهلية بالإضافة إلى دخول عناصر مستقدمة من هنا وهناك لتأجيج الوضع والتأكد من الحصول على قطعة معتبرة من الكعكة تجد نفسها بين شاشات محلية تحاول الحفاظ على ما تبقى من الدولة عبر شاشات "وطنية" تنعت الآخرين بالعملاء والمتآمرين والخونة. المصنفون عملاء ومتآمرين وخونة من جهتهم ممثلون عبر شاشات أخرى – بعضها ممول محليًا من جهات معارضة والبعض الآخر ممول إقليمياً وربما دوليًا- يقدمون أيضًا برامج "وطنية" ولكن من وجهة نظر مغايرة. لكن يظل طرفا النقيض يدقان على وتر الوطنية ابتغاء انتماء المشاهد وقلبه وعقله ومن ثم تضامنه.

تضامن المشاهدين في دول أخرى لم تسقط بالضرورة في براثن اقتتالات أهلية ذات نكهات إقليمية ودولية لكن مازالت في مرحلة الخطر هو مثار شد وجذب بين أطراف أخرى ممثلة عبر الشاشات. هذه الدول واقعة بين شقي رحى دعاة التغيير والحرية والديمقراطية حتى وإن كان من باب إسلام سياسي تارة أو هدم الدولة من الداخل تارة أخرى، وبين مدافعين عن  الاستقرار والنجاة والحفاظ على مؤسسات الدولة ولو كان ذلك على حساب حقوق المواطن وأساسياته. وكلاهما ممثل عبر شاشات. التيار الأول يجد نفسه ممثلاً في شاشات ممولة من دول وجهات  داعمة للتغيير في بلدان الغير، لذا فهي تبث من الخارج من أجل الداخل، وتجد نفسها في الداخل إما محجوبة مشوشة أو محدودة المشاهدة مشتتة.

أما التيار الثاني الداعم للاستقرار فهو ممثل في أنظمة عدد من الدول العربية مع ظهير شعبي كبير بات يميل إلى تقبل تقلص هامش الحريات في مقابل محاربة الإرهاب ومواجهة محاولات التفتيت التي يعتقد إنها باتت واضحة وضوح الشمس. هذا التيار هو المسيطر هذه الآونة على عدد غير قليل من الشاشات المحلية والإقليمية التي تقدم نفسها باعتبارها "شاشات وطنية" أو "قنوات بناء" وذلك في مقابل "شاشات عميلة" و"قنوات هدامة" لا تليق بالدول في وقت الأزمات.

المؤكد أن أهمية وسائل الإعلام تزداد في وقت الأزمات، بما فيها المرحلة الانتقالية الحالية، وذلك لك لها من قدرات هائلة في التأثير على سلوكيات الجمهور، ولما لها من مسؤولية مجتمعية في توعية الجمهور وإرشاده.

وكان للربيع العربي تأثير قوي فى طبيعة الأخبار في المنطقة العربية. كما أثرت التغيرات السياسية والأزمات الاقتصادية في الإعلام برمته في  الشرق الأوسط. لكن بدلًا من تمكين المواطنين بالمعلومات، سيطرت وسائل الإعلام على المواطنين عبر القوى السياسية والتجارية والتي تركت المواطنين عالقين دون أرضية معلوماتية حقيقية.

التغيرات السياسية غير المتوقعة التي هزت المنطقة العربية غيرت عادات استهلاك وسائل الإعلام العربية بشكل عام، واستهلاك الأخبار خصوصًا، وأصبح العرب أكثر انخراطًا في الأخبار، وبالطبع تطغى السلبية على الغالبية المطلقة من الأخبار.

جزء من الارتباك في المشهد الإعلامي العربي يعود إلى هيمنة الأخبار السلبية على مدار السنوات السبع الماضية. وعلى الرغم من النمو العددي للشاشات، إلا أن التطور المفترض في المحتوى لم يحدث. لذلك، وعلى الرغم من الشره الكبر من قبل المتلقي في بداية الأزمة، إلا أنه تحول بشكل واضح إلى عزوف وتحول إرادي بعيدًا عن الأخبار، مع تعاظم قلق ملايين المشاهدين على صعيدي الأمن والاقتصاد.

ويبرز خطر انصراف المشاهد طواعية عن شاشات الأخبار حفاظًا على سلامته العقلية والجسدية، وهنا يتساءل البعض: هل تقرر الشاشات التوقف أو ترشيد بث الأخبار السلبية؟ أم تبالغ في تسليط الضوء على القليل المبهج والإيجابي؟ وهل تكون بذلك حادت عن المصداقية عبر تضخيم الأخبار أو مواربتها؟ بمعنى آخر، هل يجوز تعديل مقاسات الأخبار؟!

الإجابة صعبة وتختلف باختلاف المواقف. والجمهور الذي يجد نفسه هذه الآونة محاطًا بنقيضين لا ثالث لهما من الشاشات مازال في طور تكوين الرأي والموقف. فمن جهة، تخضع القنوات المحلية – الرسمية والخاصة- لإعادة صياغة وهيكلة لتكون قنوات "وطنية" و"بناءة"، ومن جهة أخرى تموج القنوات الرابضة على الطرف الآخر – وأغلبها إقليمي مناهض لأنظمة هذه الدول أو خاص تموله جهات معارضة-  بكم هائل من النبش في شؤون البلاد والهبش في أمور العباد.

العباد الذين هم ملايين المشاهدين يقبلون على الإثارة على الشاشات حينًا، ويستيقظون على جلبة الصراعات والاقتتالات الملتحفة بشعارات وطنية على الشاشات نفسها حينًا، ويجدون أنفسهم عائدين أدراجهم إلى شاشات "مضمونة" من حيث الانتماء والتوجه حينًا، لكن تظل الحاجة إلى شاشات تلفزيونية قادرة على الحفاظ على توازنها، فلا  تسقط في فخ الإثارة وإشاعة الفوضى، ولا تنجرف في العودة إلى الصوت الواحد عبر "الإعلام الوطني والبناء"، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة للأبد.

أضف تعليق