Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
تونس والتوانسة

حازم عبده



الأربعاء 11-04-2018

تونس بلد جميل بكل ما تعنى الكلمة، جو بارد منعش، مغري بالتجول بين شوارع تشق الغابات وتصعد وتهبط على صفحة المتوسط وبين البحيرات، لا تملك إلا أن تحبه كأنك تعيش فيه منذ زمن بعيد، والأجمل هم التوانسة ذلك الشعب المضياف المجامل، حتى أن جل مفرداته العامية ترحيبية وتبجيلية، فهو شعب مرحب جداً بالضيف حد السعادة به، فكثيراً ما تسمع هذه الجملة "إحنا فرحانين بيك وبزيارتك".

 

تسع سنوات فصلت بين زيارتي الأولى لتونس عام 2009، وبين زيارتي الثانية مطلع أبريل الحالي لحضور الاجتماع السنوي لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية، بمشاركة نحو ثلاثة آلاف وأربعمائة مشارك، من أكثر من أربعين دولة، ولعلها من المصادفات الجميلة أن زيارتي الأولى كانت لحضور المؤتمر العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو، بمشاركة وفود اثنتين وخمسين دولة، لأجتمع في الزيارتين، على أرض تونس بذلك الخليط الحضاري المتنوع.

 

تونس بلد نظيف، بلد شرقي بطراز أوروبي، منظم، فنادراً ما تتعرض للأذى البصري أو السمعي في الشارع، الغالب هو الالتزام بقواعد النظافة والمرور والكلام والسلام، والتحية والترحيب والضيافة وعدم المشاحنة.

 

سعدت في تونس بمناقشات راقية واعية حتى مع سائق التاكسي، وكم أسعدني نقاش حضاري فكري وسطي في جلسة جميلة مع الأصدقاء المفكر الإسلامي الدكتور محمد صلاح الدين المستاوي، عضو المجلس الأعلى التونسي للشؤون الإسلامية، والشيخ جعفر الشريف إمام وخطيب جامع الزيتونة، ورجل الأعمال المهندس عبدالعزيز الطالبي، وهم يتحدثون عن الوسطية والتسامح كحائط صد أمام أى إفراط أو تفرط أو صدام يفجر المجتمع.

 

أعظم ما خرج به التوانسة من ثورة الياسمين هي الحرية، فهم أدركوا قيمة هذه الدرة التي اقتنصوها بثورتهم التي فجرت الربيع العربي، ولم يفرطوا فيها على الرغم من قسوة الظروف الاقتتصادية التي تعاني منها البلاد، ليس بسبب الوضع داخل تونس فقط ولكن بسبب ارتباك الوضع في المنطقة بشكل عام، وبخاصة الوضع المتفجر في ليبيا، فالجوار الليبي كان رقماً مهماً للغاية في الاقتصاد التونسي.

 

لم يفقد الشعب التونسي تحضره ولم ينحدر إلى التخريب والتكسير والاستقطاب والتجاذب المدمر الذي سقطت فيه الغالبية العظمى من الدول التي هبت عليها نسائم الربيع فتحولت على أرضها إلى رياح خماسينية أحرقت الزرع والضرع، وأنبتت استبداداً من نوع لم تدركه البشرية من قبل.

 

ليس كل التوانسة راضين عن الرئيس الباجي قايد السبسسي لكن ذلك لا يعني أنهم لا يقبلون بالخيار الديمقراطي، فالسبسي جاء نتيحة عملية انتخابية، احترمها من صوت له ومن صوت ضده، ويستطيع التوانسة انتقاده على الملأ وفي وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى المقاهي، وفي وسائل المواصلات دون خوف من خسف أو عسف أو قطع للأرزاق والأعناق.

 

ليس كل التوانسة راضين عن تقاسم حركة النهضة للسلطة مع نداء تونس لكنهم يحترمون نتائج الصندوق، ويرتبون أوراقهم للتغيير وإعادة تشكيل المشهد، سواء في قمة هرم الدولة أو في البرلمان، وهم يخوضون معركة سياسية بالغة الأهمية، وهي الانتخابات البلدية التي ستجري لأول مرة منذ عام 2010 في السادس من مايو المقبل، وهي "بروفة" لتصويت الشعب التونسي بعد تجربة انتقالية تصدرت فيها حركة النهضة، ومرحلة التقاسم بين النهضة ونداء تونس.

 

أدرك التوانسة أن حركة النهضة، على أيدولوجيتها، تبقى مجرد فصيل سياسي لا يمثل الإسلام، وليس حجة عليه ولا عنواناً له، فالتوانسة جلهم مسلمون، فلم يناصبوا الإسلام العداء نكاية في حركة النهضة، وحدد المختلفون مع النهضة خصمهم في الحركة، وليس في الإسلام، فكانت تلك رؤية ذكية لم تستفز عامة الشعب التونسي الذي يحب دينه، ويحترم تراثه العربي والإسلامي ولا يقبل المساس به.

 

 كانت الدولة العميقة أيضاً في تونس ذكية بالقدر الكافي، ففتحت النوافذ ليمارس الشعب التونسي تدينه الوسطي المعتدل دون تضييق، وأعيدت الحياة إلى جامع الزيتونة بعدما عطلها بورقيبة منذ عام 1960م، وتركت الرابطة الوطنية التونسية للقرآن الكريم لترعى الجمعيات الجهوية والقروية لتحفيظ القرآن الكريم، بل إن الدولة قدمت لها الدعم المادي والمعنوي بحضور الرئيس لحفلها السنوي في شهر رمضان، وبهذا قطع الشعب التونسي والدولة الطريق على كل من أن يريد المتاجرة بحرب الدولة على الدين، ويريد أن ينصب من نفسه مدافعاً عن دين الله.

 

لكن يبقى السؤال المهم هو هل بقية الأحزاب في الساحة السياسية أعدت عدتها وجهزت نفسها لسحب البساط من تحت الحزبين الأكبر؟ أتصور أن أحزاباً مثل الجبهة الشعبية ومشروع تونس والتيار الديمقراطي وحراك تونس الإرادة، لو تكتلت يمكنها أن تقدم مشروعاً يكسب ثقة الناخب التونسي على الأقل لتمثل عيناً رقابية جهوية على أداء الائتلاف الحكومي.

 

معظم من قابلت من التواسنة متفائلون بتعافى اقتصاد بلادهم وبعودة السياحة بقوة والتي تمثل أهم مورد اقتصادي للبلاد، لتستعيد تونس عافيتها وتسترد دورها الرائد ثقافياً ومعرفياً في محيطها.

 

أضف تعليق