Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
مدير التحرير: محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
التأثير الفرنسي في فكر سلامة موسى

د.سعيد اللاوندي



الخميس 08-03-2018

لم اندهش عندما سئل الروائي المصري العالمي نجيب محفوط عن أكثر الكتب التي تأثر بها في حياته فأجاب بأنه كتاب “تربية سلامة موسي”. لأنه كتاب فريد ليس فقط لأنه يؤرخ في شفافية ونقاء لحياة “عقل” مصري نادر ولكن أيضا لأنه يشتمل ضمن مايشتمل علي خريطة نجاح لأي شاب يريد أن يجد لنفسه مكانا تحت شمس الفكر والأدب والإبداع. والإنصاف يقضي أن نقول إننا أمام هذا المفكر الكبير سلامة موسي نجد أنفسنا أمام احد قلاع الفكر المصري وينابيعه التي لا تنضب.

ولقد أحسن الدكتور فوزي فهمي عندما حرص علي إعادة نشر كثير من كتب سلامة موسي ضمن مكتبة الأسرة منذ سنوات ،حتى يجد شباب اليوم هذه المؤلفات بين أيديهم وبأسعار زهيدة. وفي ظني أن التاريخ المصري المعاصر لن تتكرر فيه هذه العبقرية التي تجسدت في شخص وعقل وروح سلامة موسي. ولن نصادف في يوم من الأيام شاباً يبيع كل ما ورثه عن أهله في أطيان ومزروعات وأراض وعقارات لكي ينفق علي نفسه في رحلة البحث عن المعرفة في بلاد الشمال. وإذا علمنا أن ما فعله سلامة موسي كان يراه البعض في هذا الزمان جنونا وعدم إدراك. لأن العقارات كانت تحتل مكانة مقدسة. والأسر الإقطاعية كانت تعتز كثيرا بما لديها لأن هذه الملكية هي التي كانت تحقق لها التميز الاجتماعي وتضمن لها الحظوة والمكانة والتأثير. ولذلك عندما يقدم سلامة موسي علي بيع كل ذلك من أجل أن يثقف نفسه ويحقق (علواً) في دنيا الفكر والكتابة فهذا شيء نادر الحدوث. الشيء الآخر الذي تميز به هذا المفكر هو إحساسه بالمواطنة في اسمي صورها. فمصر الوطن (أرضا وسماء ونيلاً) كانت محفورة في وجدانه. حملها في كل الأماكن، وتغني بها في غربته التي ساح فيها في دول أوروبا الغربية. وخالط شعوب العالم معتزا بمصر الوطن الأم. والأهم من ذلك أنه كان يعرف جيداً ماذا يريد لنفسه ولوطنه ولذلك كان مولعاً بكل جديد يراه أو يقرؤه في دنيا الإبداع والفكر والحياة المعاصرة. فانكب علي ترجمة ماظنه مهماً ويمثل إضافة للعقل المصري ولاحظ الكثيرون انه ينحاز دائما للأفكار الجديدة وكان يكتب عنها في شوق جارف ويتمني لو يتعاطى معها أبناء وطنه ليخلعوا عن أنفسهم ثياب الجمود والتخلف.

نعم كان سلامة موسي يري أن مصر ينبغي لها أن تكون في أعلي عليين لكن هذه المكانة لن تتحقق لها إلا إذا نفضت عن نفسها وأجيالها شبابا وشيوخا تراب السكينة والهدوء والخمول. لقد كان الرجل مفكراً ثورياً يتعطش طوال الوقت للجديد أيا كانت نتائجه. واذكر أنني في وقت مبكر كان ذلك في أوائل ثمانينيات القرن الماضي زاملت شاباً لبنانياً كان عاشقا لسلامة موسي واعد عنه أطروحة للدكتوراه في جامعة السوربون. اذكر إذا لم تخن الذاكرة أن عنوانها هو: “التقليد عند سلامة موسي”. والتقليد الذي كان يعنيه الباحث اللبناني هو تقليد كل ماهو جديد ومبتكر، وتحدث عن قيام سلامة موسي بالترجمة ونقل الأفكار الشيوعية والغابية، والسوبرمان وتحرير المرأة، وشروط النهضة. وكلها أفكار أحدثت ثورات اجتماعية وسياسية في بلدان كثيرة من العالم ولأن “سلامة” كان يريد أن تتنفس بلده “مصر” هواء جديدا، وتعيش حياة طموحة ووثابة، فكان يري أن خلاص مصر في أزماتها ودوراتها في فلك التقدم لن يأتي من طريق اخر غير هذا الطريق: العلم والمعرفة، وتبني بل و”تقليد” الأفكار المستحدثة.

ولا أنسي ما كتبه سلامة موسي عن اتقانه لأكثر من لغة أجنبية مؤمناً بان لغة جديدة تعني إنسانا جديدا باعتبار أن اللغة هي وعاء الفكر. وبالتالي فإتقان لغة يعني العبور لمضامين وأفكار وإبداعات ورؤى جديدة ستضيف بالقطع للناطق الجديد بهذه اللغة. وروي في كتابه “تربية سلامة موسي” أنه هبط علي أسرة فرنسية في مدن الشمال الفرنسي وخالط أفرادها وأقام معهم فترة ليست بالقصيرة، وكان يدرب نفسه علي اللغة من خلال المناقشات والحوارات التي كان نسجها معهم علي موائد الطعام وفي صالونات الشاي والقهوة.

ويؤكد الرجل عبر خبرته في تعلم واكتساب اللغات الأوروبية أن اللغة روح بالأساس وعشق هذه الروح هو البداية الصحيحة للدخول إلي عالم هذه اللغة.

ولقد أخلص سلامة موسي لموهبته الأدبية والفكرية ووضع عشرات الكتب وأنشأ أكثر من مطبعة واصدر عدة صحف ومطبوعات بهدف نشر أفكاره وأفكار معاصريه من الأدباء والمفكرين. وارتفعت به الأيام في أوقات كثيرة، فأصبح رئيسا للتحرير وكان يملك الصحف ويكتب فيها ويجلس في مكاتب فخمة وتدر عليه مطبوعاته دخلا وفيرا لكن في الوقت نفسه مر الرجل بأوقات عصيبة، فقد فيها معظم أو كل ما كان يملكه من مطبوعات ومطابع ومجلات، وذهبت عنه ثروته، وتقدم به العمر. لكنه في كل هذه الأحوال ـ لم يفقد شيئين: حبه وشغفه بمصر ـ الوطن وكذلك تعلقه بالكلمة المكتوبة. فضلا عن ثورته وطموحاته التي لم تغادره لحظة واحدة. وإيمانه بأن الجديد أفضل من القديم والحركة أجدي من السكوت والتقدم والتفاؤل أفضل من التخلف والتشاؤم وخرج من حياته العريضة بدروس جادة ومفيدة له ولمن يريد أن يتأمل شريط حياة هذه القامة الفكرية الكبيرة. ومنها أن الإنسان هو الذي يصنع مستقبله وأن العلم هو القاطرة التي تجر الإنسان إلي حياة أفضل. وأن المكان لا يصنع المكانة وأن الوظيفة ـ وان ارتفع قدرها ـ لا تخلد إنسانا وإنما الشخص بفكره وعقله هو الذي يصنع المجد لنفسه ويضيف إلي بلده.

يروي ابنه رؤوف سلامة موسي في كتابه الرائع: “سلامة موسي أبي” أن والده ظل يكتب حتى اللحظة الأخيرة من عمره، وكان يستيقظ مبكرا ويحمل أوراقه ويذهب إلي جريدة الأخبار الذي كان يكتب فيها آنذاك. ويقول إنه لم يكن له مكتب خاص به! ولذلك كان يذهب في الصباح الباكر ليجلس في مكتب أحد الصحفيين الشبان الذين لم يكونوا يذهبون إلي العمل مبكرا ويظل يكتب ويكتب ويعود إلي بعض المراجع للتوثيق.

وحدث أكثر من مرة أن استغرقته الأفكار والكتابة حتى أدركه صاحب المكتب الذي كان يشعر بالخجل من هذا المفكر الكبير الذي يدأب علي الذهاب إلي الأخبار مبكرا. وعندما التفت سلامة موسي نحوه، وعرف انه ربما أخذ من الوقت أكثر مما هو مسموح له، هرع إلي أوراقه يجمعها راحلا من المكان. فإذا بالصحفي الشاب يتجه إليه راجيا إياه أن يواصل الكتابة. فهو ليس بحاجة إلي المكتب. وكانت المفاجأة أن سلامة موسي يصر علي أن يترك المكان معتذرا عن الوقت الإضافي الذي أخذه دون أن يدري. فلقد كانت الكتابة تشغله والأفكار تنهمر علي قلمه.

وأقسم الصحفي الشاب للكاتب الكبير سلامة موسي بأنه سوف يفاخر الناس أجمعين بمكتبه الذي جلس فيه سلامة موسي وكتب أفكارا وملاحظات ومقالات هي في النهاية إضافة حقيقية للفكر المصري المعاصر.

تذكرت هذه الواقعة بشأن هذه القامة المصرية السامقة في سماء الفكر كما تذكرت ما كان يقوله دائما لتلاميذه ويمارسه فعلا وهو أن المكان لايصنع المكانة. وكلنا يعلم أن عشرات بل مئات يجلسون في مقاعد فارهة ويضعون أمام أسمائهم ألقابا ما أنزل الله بها من سلطان لكنهم اختفوا بمجرد انتقالهم من المقاعد.

بينما بقي مفكرون أمثال سلامة موسي، تلمع أسماؤهم وتضيء كالقناديل دون أن يسأل أحد هل يجلسون في مقاعد وثيرة أم لا يجلسون. سلامه موسي هذا المفكر الغيور علي مصر ـ والثائر فكرا والمحب لكل البشر، ورائد التنوير والمولع بالجديد في الفكر والأدب والإبداع هو صاحب ذكري عاطرة ما أحوجنا إلي استدعائها ليعيش (فينا)(ومعنا).

أضف تعليق