Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
البابا والإمام.. ولقاء صناع السلام

إميل أمين



الجمعة 10-11-2017

في الوقت الذي تغلي فيه مراجل الشرق الأوسط من جراء إصرار قوى بعينها على إشعال نيران الأصولية حول العالم ، فيما تقوم دول أخرى بتشجيع الإرهاب انطلاقا من مرتكزات دينية وإيمانية مغشوشة لا نصيب لها من الحقيقة ، في هذا الوقت نجد رسل السلام من حولنا ، يسعون في طريق الحوار والجوار ، وفي السعي لرفع الخوف من الآخر عن العالم بعد أن بات الخوف والتخوين هما أداة مقلقة كل القلق للحياة اليومية في زمن العولمة المضطرب .

قصة الغرب والشرق ليست وليدة اليوم إنها حكاية سجال طويل منذ أربعة عشر قرنا ، ما بين صد ورد ، وتعايش وخصام ، وحروب وسلام ، وفيما البعض ذهب إلى القول بان الشرق شرقا والغرب غربا ولن يلتقيا ، مثل الشاعر الكبير روديارد كبلنج ، قال آخرون بان هناك فرصة حقيقية لان يلتقي الشرق بالغرب ، وإمكانية واقعية للتعايش المشترك بل الخلاق بين الجانبين ، مهما بدت الظروف المحيطة بالمشهد غير ملائمة.

من بين الذين يرفعون رايات التلاقي  يأتي الحديث عن جماعة سانت ايجيديو تلك التي تأسست في نهاية ستينات القرن المنصرم ، وقد لعبت منذ ذلك الوقت أدوارا متقدمة في القيام بدور وسيط السلام بين أمم وشعوب كثيرة ، منها ما هو عربي قح مثل الجزائر ، ومنها ما هو ينتمي إلى القارة السمراء مثل جمهورية أفريقيا الوسطى ، والعديد من الأدوار التسامحية والتصالحية التي لم يعلن عنها بشكل رسمي وان كان المقربون يعرفون قدرها في إنهاء النزاعات بين الأمم والشعوب .

بداية  الأسبوع الجاري كانت مؤسسة سانت ايجيديو تعقد مؤتمرا في مدينة روما تحت عنوان " الشرق والغرب نحو حوار حضاري " .

والشاهد انه ما من أفق حضاري في أيامنا الراهنة يمكن أن تستقيم شؤونه وشجونه دون دور فاعل لرجال الأديان كأئمة للمؤمنين ومنار للدين .

في هذا السياق يتفهم المرء المشاركة الهامة لشيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب في أعمال هذا المؤتمر حيث ذهب الرجل ليقود بدوره وفي ضوء رسالة الأزهر وجهوده الحثيثة من اجل خلق واقع ومستقبل أفضل لغد حضاري يدعو لنشر ثقافة المحبة والتسامح والتعايش الواحد وتحقيق سلام عادل وشامل للبشرية جمعاء .

الذين قدر لهم الاستماع إلى كلمة الشيخ الطبيب أدركوا أهمية الدور الذي يلعبه الأزهر الشريف كمقدمة للترويج للسلام العالمي إذ أشار فضيلته إلى ضرورة  الحوار بين الشرق والغرب وحتمية استمراره بين حكماء الفريقين وعقلائها ، لانتشال الحضارة المعاصرة من براثن العودة إلى عصور الجهل والظلام ، موضحا  أن العنف المتبادل  بين الشرق والغرب أصبح السمة البائسة التي تعزل الحضارات الإنسانية التي عبرت على صفحات التاريخ .

على انه لم يكن لشيخ الأزهر أن يمسى في روما المدينة المقدسة دون أن يلتقي بالبابا فرنسيس وهي المرة الثالثة خلال ثمانية عشر شهرا ، وبعد أن جمعتهما مودة كبيرة تتبدى واضحة جدا من خلال "لغة الجسد " التي تكشف عن خبايا الأعين وحنايا الصدور .

اللقاء بين البابا والإمام جرت وقائعه في القصر الرسولي مثل كل لقاءات الحبر الأعظم الرسمية ، وقد تطرق الحديث بينهما إلى العديد من القضايا مثل إشكالية النزاعات الطائفية والاضطهاد الديني والعنصرية ، إلى جانب قضايا نشر السلام والتسامح وقيم العدل والمساواة ، وفي هذه جميعها كان الإصرار واضحا من الطرفين لجهة حتمية العمل المشترك من اجل تبني حوار جاد بين جميع الأطراف لحل النزاعات والتأكيد على براءة جميع  الأديان من دعاوى العنف والتطرف.

إلى هنا يكاد المشهد يكون اعتيادي، حتى وان كان اللقاء بين رجلين يمثلان قمم دينية كبرى حول العالم ، إلا أن ما عكس مشهدا غير اعتيادي ، هو إصرار البابا فرنسيس على اصطحاب الشيخ الطيب إلى "نزل القديسة مارتا" حيث يعيش عيشة بسيطة ليتناول معه الشيخ الغذاء على مائدة متواضعة يحرص البابا عليها .

والمعروف أن البابا فرنسيس ومنذ تم انتخابه حبرا أعظم للكنيسة الكاثوليكية يرفض الإقامة في السكن الخاص بالبابوات في القصر الرسولي مفضلا عليه هذا المحل المتواضع .

مشهد البابا الخارج من القصر الرسولي ممسكا بيد شيخ الأزهر ، وحتى مكان وجبة الغذاء حمل أكثر من معنى ومبنى وربما لم يلتفت إليه العالم المشغول مؤخرا بضجيج الحرب التي تكاد تقترب من الشرق الأوسط ، ربما لتقضي على ما تبقى به وفيه من آمال .

في مقدمة تلك المعاني القول أن الإرادة الصادقة الطيبة والمخلصة يمكنها أن تصنع المعجزات ، وما كان حلما من قبل بضعة عقود أصبح حقيقة واقعا ، فها هو رأس الكنيسة الكاثوليكية على مائدة واحدة مع شيخ الجامع الأزهر في بساطة المحبة وعمق الإيمان بالله الواحد الأحد ومن اجل خير الإنسانية جملة وتفصيلا .

ضمن دلالات المشهد التي لا تخطئها العين أن هناك مسارب أمل ورجاء في وقوف أبناء إبراهيم سدا وصفا في مواجهة دعوات الكراهية والحقد والإقصاء ، أمل في أن تتغلب مشاعر المحبة المتبادلة على موجات الكراهية الهادرة ، ورجاء في عولمة تمثل عملية تطور لابد من إدارتها  بشكل جيد كي تحمل  للأشخاص  لا سيما الأشد فقرا وعوزا ثمار العدالة والسلام ، كما قال الكاردينال جان لوي توران رئيس المجلس البابوي الحبري للحوار بين الأديان.

لقاء البابا والإمام.. خطوة في طريق الحقيقة والعدالة.. المحبة والحرية.. طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون.

أضف تعليق