Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
الاعلام وحوار اتباع الاديان

إميل أمين



السبت 14-10-2017

ما هي حدود الدور الذي يمكن لوسائل الاعلام ان تلعبه سلبا او ايجابا في التقريب بين البشر لا سيما بين اتباع الاديان الابراهيمية في عالمنا العربي على نحو خاص ؟

 

 المؤكد ان الاعلام  يستطيع ان يصنع صيفا او شتاء كما يحلو له ، ويمكنه كذلك ان يخلق ربيعا عذب المناخ يدفع الباحثين الى المودة الى المشتركة للخروج معا الى مسالك الحوار والتلاقي والتآخي عوضا عن التقاتل والتناحر في زمن صعب .

 

مساء الخميس الماضي قدر لصاحب هذه السطور ان يلبي دعوة لصحيفة الاهرام ويكلي الانجليزية في مبنى الاهرام العريق بوسط القاهرة لحضور عرض فيلم وثائقي عنوانه " السلطان والقديس " ويتناول اللقاء المهم للغاية الذي جرت به المقادير على هامش الحروب الصليبية بين السلطان المصري الكامل محمد الايوبي بن الملك العادل الايوبي ، مع القديس فرنسيس الاسيزي ذلك الراهب الصوفي الايطالي الذي رفض فكرةالحروب ضد بلاد المسلمين ورفض فكرة حتمية الوصول الى بيت المقدس عبر جثث البشر الذين خلقهم المولى وكرمهم احسن تكريم .

 

ولعل افضل ما في الدعوة انها وجدت استجابة عريضة من جمهور المثقفين ومن النخبة المصرية فامتلات قاعة الكاتب الكبير نجيب محفوظ عن آخرها ، بزبدة المجتمع المصري ، والذين اثروا الحوار والنقاش الذي دار عقب عرض الفيلم الذي يجمع بين التصويري والوثائقي دفعة واحدة .

قصة الملك والسلطان قد لا تكون معروفة لدى الكثيرين وهي باختصار غير مخل قصة راهب صوفي ايطالي جاء اثناء تلك الحروب رافضا للموت والدمار ، ومطالبا بالمحبة والسلام ، ولما فشل في مسعاه لدى معسكر الغربيين في دمياط سعى الى مقابلة السلطان الكامل سلطان المسلمين في مصر .

 

كان الطبيعي ان يعتبر السلطان وجنوده فرنسيس وزميله " اللوميناتو " جواسيس " وعليه ينبغي قتلهما ، غير ان امرا ما غير المشهد برمته وجعل الاثنان في نهاية المشهد اصدقاء وانموذج بقى طوال التاريخ شاهدا على اهمية الحوار في كل الاوقات ، وهي اهمية تزداد الحاجة اليها في الازمنة الصعبة وفي اوقات المحن .

 

لم يكن السلطان الكامل رجلا عاطفيا ينساق وراء الاهواء الشخصية بل كان سلطانا مثقفا يدرك بعين فاحصة ابعاد الامور ادراكا واعيا مستقلا ، وقد ساعده في بناء تلك النظرة امران :

 

الاول : هو ان والدته التي تعهدت بتربيته قد علمته صحيح الدين الاسلامي ومعانيه السمحة تجاه الاخر ، وقد عملت على تثقيفه ثقافة قرآنية سديدة ، واظهر الفيلم توقف الام مع صغيرها امام الايات المحكمات التي تتحدث عن حرية الدين والايمان والمعتقد ،وانه لا اكراه في الدين ..ولكم دينكم ولي دين ، الى غير تلك الايات التي خلقت لاحقا عند السلطان رجلا مسؤولا وقادرا على التفريق بين ما هو اطماع سياسية ومؤامرات بشرية ، وبين ما هو  ديني وايماني صادق لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ..كان الفهم الواعي الايماني الحقيقي للاسلام عند السلطان الكامل هو من مهد له لقاء فرنسيس ، وتبادل الاحاديث لمدة ثلاثة اسابيع تقريبا وجد فيها كلا منهما في الاخر صديق وصاحب رؤية ايمانية .

 

 الثاني : اما الامر الثاني فيتصل بالمستشارين الذين يوسوسون في اذن الملك وعادة ما يكونوا اخطر وربما اهم من الملك ، فهم غالبا ما يدفعونه يمينا او يسارا كيفما شاء لهم وحسب اهواءهم في الكثير من المرات .

 

على انه من حسن طالع السلطان الكامل انه وجد بجانبه احد اهم الناصحين والمرشدين ، متمثلا في الشيخ فخر الدين الفارسي تلميذ القطب الصوفي الكبير " ابو الحجاج " صاحب المقام المشهور في صعيد مصر ، وبالقطع دارت بين الرجلين سجالات طويلة ، كان مركزها الخالق جل وعلا ، وقد احب الشيخ الفارسي القديس فرنسيس ، ولذلك تقاربت الرؤى بينهم الى درجة مكنت لاحقا من اقامة معاهدة  بين السلطان الكامل وبين الملك فرديردك الثاني ، هدنة واتفاق سلام كان وراءهما الراهب البسيط المتواضع والشيخ الصوفي الذي يفهم عمق الايمان الاسلامي، وبينهما السلطان الواعي المثقف المدرك لصراعات السياسة ، والتي استطاعت ان تشعل الاجواء، في حين انه عندما التقى برجل دين حقيقي وجد عنده معين من الرؤية الدينية المسيحية الحقيقية ، مسيحية المحبة لا مسيحية الحروب وسفك الدماء .

 

من اروع القصص التي تروى عن نتائج هذا الحوار الذي يعد من ابلغ الحوارات التي دارت بين الاسلام والمسيحية وبين الشرق والغرب في هذا التوقيت ، ان فرنسيس لم يكن يعرف ان لله تعالى في الاسلام اسماء يدعى بها ، تلك التي تعرف باسماء الله الحسنى ، ومن التراث الروحي الذي خلفه لنا ، وبشكل خاص "مديح الله العلي"، وفيه  نجد خلفية واضحة لتلك المعرفة الجديدة للخالق فقد استخدم فرنسيس  اسماء عديدة جلها من اسماء الله الحسنى .

 

نجحت ندوة الصالون الثقافي للاهرام ويكلي في بلورة دور حقيقي ورائد للاعلام ، دور تجلى في مطالبة النخبة المصرية والعربية التي شاركت اللقاء والنقاش باستمرارية هذه الروح الوثابة التي تتجاوز التزمت والتعصب والكراهية .

هل هي مصادفة قدرية ام موضوعية  تقديم هذا العمل في هذا التوقيت ؟

 

مؤلم جدا الاشارة الى انه في يوم عرض الفيلم كان احد رجال الدين المسيحي في القاهرة يتعرض للطعن موتا واخر جرحا ، من قبل متطرف لا علاقة له بصحيح الاسلام جملة وتفصيلا ، في حادثة تعد من اسوا منغصات العيش ، سيما عندما تمتد يد الكراهية واسلحتها الى صدور الاخرين .

 

الواقع المؤلم يستدعي رؤية السلطان الذي يودع القديس بنفسه حتى معسكر الصليبيين ويحمله بالهدايا الكثيرة ، ليتركان معا درسا للاجيال القادمة ..كان ذلك عام 1219 اي منذ 800 عام تقريبا ولا يزال المثال حيا نابضا زاهرا .. لقاء المحبة عوضا عن الكراهية .

شكرا للاهرام ويكلي وللصديق عزت ابراهيم رئيس التحرير ، هذا الشاب الدينامكي الذي يحاول ناجحا  ان يعيد للاعلام دوره الرائد حواريا وثقافيا ، والشكر موصول لكل من شارك فرحة اللقاء .

أضف تعليق