Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
وداعا د. علي السمان

إميل أمين



الجمعة 11-08-2017

شاءت يد المنون ان تغيب رجلا من اقدر الرجال في مصر .. رحل عنا الدكتور علي السمان .. الاستاذ والوالد .. المفكر والصديق .. المرشد والمنظر في عوالم شتى بدءا من الاعلام  مرورا بالسياسة ، ووصولا الى مستشار رئيس الدولة ، ونهاية باجمل فترة عمرية في حياته حيث قضاها في التقريب ببين اتباع الاديان.

يعز على التلميذ ان ينعي استاذه ، وإذ هذا حال الدنيا وديدن البشر ، فان المرء يحار في ما يمكن ان يكتبه في وداع الراحل الكبير .

الذين قدر لهم قراءة السفر الكبير الذي خلفه الرجل ويروي فيه سيرته ومسيرته ، وقد جاء تحت عنوان " اوراق عمري ...من الملك الى عبد الناصر والسادات "، يدرك كيف ان الحياة رحلة عميقة وطويلة من الجهاد .

يتيم الاب ولد الصبي علي ، ولم يطل المقام بوالدته لتتكفل جدته بتربيته ، والصعوبات عادة ما تخلق التحدي ، ولهذا كان الطالب علي السمان احد المتفوقين في كلية الحقوق جامعة الاسكندرية ومنها الى  جامعة جرينوبل جنوب فرنسا ليحصل منها على درجة الدكتوراة .

وكأن فرنسا كانت على موعد من الراحل الكبير ، وكان هو على  موعد معها ، وقد عشقها الى ابعد حد ومد ، بل كانت ملعبا لمهارته الفكرية والحوارية ، وقد بدا مبكرا عندما كون اتحادا للطلبة  الاجانب ، وقام كذلك بنشاط كبير للرد على دعايات اسرائيل التي كانت تواجه مصر في ذلك الوقت على خطوط النار .

زخم الدكتور السمان مصر في اوقات كانت في حاجة ماسة الى دعاية مستنيرة لها وذلك عندما رتب زيارة اديب فرنسا الكبير جان بول سارتر وصديقته سيمون دي بوفوار الى مصر .

لعبت الاقدار دورا كبيرا في جمع الرئيس السادات بالدكتور السمان ، فقد كانت مصر في حاجة الى صوت اعلامي عقلاني يدير المعركة الاعلامية من الخارج بنفس المصداقية والموضوعية التي تدار بها من الداخل ، وكان الجميع قد تعلم من درس هزيمة يونيو والخطاب الاعلامي غير الموضوعي الذي ساد وقتها .

 احرز الدكتور السمان اهدافا استراتيجية لصالح مصر من باريس قلب اوربا النابض بتغطيته لابعاد المعركة في اكتوبر 1973 ، ومن يومها اضحى رجل الثقة للرئيس السادات ولاحقا استطاع بعلاقاته بكبار المسؤولين الاوربيين وبخاصة الالمان والنمساويين دعم مسيرة البناء والنهضة في مصر بعد حروب طوال .

ادرك الراحل الكريم ان الاديان السماوية ذاتية المصدر ولهذا كرس كثيرا جدا من حياته لا سيما في ثلثها الاخير لجمع ابناء ابراهيم في اوربا و في العالم العربي ومصر تحديدا .

عرفت اوربا الدكتور السمان ربما باكثر مما عرف في العالم العربي ، وقد ذكر لي ذات مرة رحمه الله كيف ان بابا روما الاسبق يوحنا بولس الثاني قد ربت على كتفه وسط جموع حاشدة مضت الى اسيزي في لقاء  السلام الدوري اوائل الالفية الثانية ، وردد البابا المتقدم في السن كلمات .. ازهر .. ازهر .. قبل ان يقدم الدكتور السمان نفسه للبابا ، فقد كان اسقف روما يتذكره جيدا منذ ان ساهم مساهمة فعالة في ترتيب زيارته التاريخية لمصر في فبراير من عام 2000.

يوما ذهبت اليه حاملا مسودة كتابي " جسور لاجدارن .. رموز للوفاق في زمن الافتراق " لاطلب منه فضلا لا عدلا ان يتكرم بكتابة المقدمة ، ويومها كتب الراحل الكبير بابوة وحنان ما لا استحقه وما سيبقى دينا في رقبتي الى يوم القيامة .

اتسم الدكتور السمان بالعقلانية والموضوعية في احلك اللحظات وحافظ على شعرة معاوية مع الجميع، وهذه شيمة الكبار وخير دليل على ذلك موقفه من بابا الفاتيكان السابق بندكتوس السادس عشر بعد محاضرته في مدينة رينسبوغ الالمانية والتي اثارت ثائرة العالم الاسلامي ، فقد اعتبر الدكتور السمان ان بعض التعبيرات التي وردت بها كانت قليلة الحظ ..

 الى هذا الحد كان الرجل دبلوماسيا رفيع المستوى يعرف كيف ان الاختلاف مع الكبار له طرقه ، والتعبير عن الرفض يمضي من خلال مسارات لا مجال فيها للاصوات الزاعقة او الرايات الفاقعة ، وليس سرا ان حاضرة الفاتيكان كانت ولا تزال حتى بعد رحيله تنظر اليه نظرة تقدير واحترام واعجاب غير محدودة ، فقد استطاع الرجل في زمن الاصوليات الظلامية  والشوفينيات القومية ، في زمن التعصب العام والخاص ان يضحى شمعة تنير بالمودة ، وتبسط الحوار بسطا للنخبة والعوام .

برحيل الدكتور السمان تخسر مصر خاصة والعالم العربي عامة رجلا من رجالات العصور الذهبية ، ومن يقرا مذكراته الشخصية يدرك انه عاش الف عام ، عاش حياته فاعلا متفاعلا ، وقد احب العاملين في عالم الاعلام والصحافة حبا جما ، ولم يغلق باب قلبه او بيته ابدا في وجه طالب حوار ، او سائل عن نصيحة او استفسار ، فقد اعتبر نفسه ابا للجميع ، ولهذا كانت لحظات وداعه مظاهرة حب وتاييد لابن بار من ابناء مصر .

رحم الله استاذنا ووالدنا الكبير والحبيب د. السمان واسكنه فسيح جناته وعوض مصر خير خلف لخير سلف .

 

أضف تعليق