Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
نهضة الأوربيين وإخفاقات العرب

إميل أمين



الجمعة 21-04-2017

"لماذا نجحت نهضة الأوربيين، وربما لاحقا غيرهم من شعوب العالم، وأخفقت محاولات النهضة عند العربي"؟.

في الطريق إلي المحاولة للإجابة على علامة الاستفهام المتقدمة يتوقف المرء مع كتاب "عصر النهضة" لمؤلفه "جيري بروتون" المحاضر الأول في دراسات عصر النهضة في كلية الملكة ماري بجامعة لندن، وعبر سطور هذا الكتاب ربما يقدر للمرء فهم السبب في نجاح هؤلاء وإخفاق أولئك.

 بداية يتحتم الإشارة إلي أن عصر النهضة قد مثل بالفعل لحظة حاسمة في التاريخ، فهو عصر تمخض فيه التبادل الكثيف للأفكار والمهارات والبضائع عن إدراك جديد للإنسانية والعالم، وقد شهدت تلك الفترة من التاريخ ميلاد فن عظيم، وأدب راق، وعلم جليل.. هذه هي في حقيقة الأمر المفاتيح الرئيسية لدخول الأوربيين عصر النهضة.

 في كتاب "جيري بروتون" توضيح لأسباب حدوث ذلك وكشف للنقاب عن العوامل الكثيرة التى تقف وراء هذه الإنجازات والتطورات التكنولوجية في الطباعة ورسم الخرائط، والتطورات في الفلسفة والدين والاستكشاف، وكذلك التقدم في مجال التجارة الدولية.

يفك لنا "بروتون" شفرة النهضة الأوربية عبر لوحة فنية زيتية، لا تزال موجودة في متحف "لندن" الوطني، ويؤكد أن معظم زوار المتحف، لا يسعهم أن يغادروا قبل أن يشاهدوها  اذ هي واحدة من أشهر الأعمال الفنية هناك، وهي "لوحة السفيران" لصاحبها الفنان "هانز    هو لباين" والتى يعود تاريخها إلي عام 1533م وتمثل اللوحة صورة محددة المعالم لعصر النهضة الأوربية .......... ما الذي يجعل هذه اللوحة تحمل سمات "عصر النهضة" على هذا النحو المميز؟

الشاهد انه على الرغم من  أن الصورة لم تكتشف إلا في القرن التاسع عشر، إلا أن هذان الشخصان الغامضان الواقفان فيها، والأدوات المعروضة بها تمثل كنزا من الرؤي الثاقبة عن تلك الفترة.

أن ما يأسر العينين بقدر ما تأسرهما النظرة الثاقبة للشخصين الواقفين في اللوحة هو المنضدة الموجودة في وسط اللوحة، والأشياء المتناثرة فوق رفيها العلوي والسفلي.

فعلي الرف السفلي للمنضدة، يوجد كتابات، كتاب ترانيم، وكتاب رياضيات خاص بأحد التجار، وهناك عود، ونموذج كرة أرضية، وجراب لآلات الفلوت، ومثلث، وفرجاران.

ويضم الرف العلوي كرة سماوية، والعديد من الأدوات العلمية شديدة التخصص: أدوات الربعية لرصد الأجرام السماوية (جهاز ملاحة وأداة لمعرفة الوقت)،... ما الذي تمثله هذه الأشياء التى استعان بها الفنان "هولباين" لتوضيح فكرة "الرينسانس" أي المولد الأوربي الجديد، وانبثاق فجر عصر النهضة.

في واقع الأمر تمثل هذه الأشياء الفنون السبعة الحرة التى شكلت أساس التعليم في عصر النهضة، فالفنون الثلاثة الأساسية -النحو والمنطق والبلاغة - كانت معروفة باسم "المقدمات" ويمكن ربطها بأنشطة هذين الرجلين، فهما سفيران تدربا على استخدام النصوص، ويتمتعان بمهارة خاصة في فن الجدل والإقناع،  أما "الرباعي العلمي" الذي يشير إلي الحساب، والموسيقي والهندسة، والفلك، فجميعها جلية في تصوير هولباين الدقيق لكتاب الحساب والعود والأدوات العلمية.

هل من وقفة أولية للمقارنة؟

 دون تطويل ممل أو تكرار ممجوج يخلص الدارس إلي أن الأساس الحقيقي للنهضة الأوربية كان العلم المقرون بالتاريخ، دون نزع السياقات الدينية والإنسانية لكن في تناغم عجيب، مرتب، معد له باقتدار، تناغم يمزج بين الأصلة والمعاصرة، دون أن يطغي أحدهما على الآخر، ودون أن يدخل الأوربيين في ظلامية الأصولية الدينية أو سطحية وجفاف العلمانية المجردة.

كان المنطلق الرئيسي للنهضة الأوربية هو البحث في أصول "الدراسات الإنسانية" وبنفس القدر الجمع بالعلوم الطبيعية، والتطبيقية، من جغرافيا، وفلك، ونجوم، وبحار وخرائط، وهذه جميعها لم تستبعد الروحيات التى تجلت في كتاب الترانيم .

شكلت هذه الموضوعات الأكاديمية أساس "الدراسات الإنسانية" وهي المسار الدراسي الذي سلكه معظم الشباب في تلك الفترة، والمعروفة على نحو أكثر شيوعا باسم "الحركة الإنسانية" وقد مثلت الحركة الإنسانية تطورا جديا مهما في ـأوربا في أواخر القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وتضمن ذلك التطور دراسة النصوص الكلاسيكية للغتيين والثقافتين والسياسيتين والفلسفتين: اليونانية والرومانية، وقد شجعت الطبيعة شديدة المرونة للدراسات الإنسانية على دراسة مجموعة متنوعة من التخصصات الجديدة التى أصبحت محورا للفكر في عصر النهضة، مثل فقه اللغة الكلاسيكي والأدب والتاريخ والفلسفة الأخلاقية.

من هذان الرجلان في لوحة "هولبياين" وآية دلالات تحملها هذه الصورة المثيرة للتأمل؟ يوضح هولبياين" أن الرجلين اللذين يصورهما في لوحته هما أنفسهما "رجلان جديدان" أي شخصان متعلمان لكنهما خبيران بالشئون الدنيوية، يستخدمان تعليمهما في السعي وراء الشهرة والطموح، فالشخص الموجود إلي اليسار في الصورة، هو "جون دي دينتفيل" السفير الفرنسي لدي البلاط الملكي الإنجليزي في عهد الملك هنري الثامن، وعلى اليمين يقف صديقه المقرب "جوج دي سيلف" أسقف لافور، وقد أنتقيت الأشياء الموجودة على المنضدة لتشير إلي أن مكانتي هذين الرجلين في عالمي السياسة والدين، وترتبط ارتباطا وثيقا بفهمهما للفكر الإنساني.

 اللوحة تشير إلي أن تعلم المجالات التى تمثلها هذه الأشياء يعد أمرا بالغ الأهمية للطموح الدنيوي والنجاح.. ما معني ما تقدم وما اسقاطاته على إشكالية النهضة العربية؟

 بمباشرة تامة تقدم لنا اللوحة فكرة "المزيج الإنساني" الذي يقبل الاختلاف، فها هو رجل الدنيا "الدبلوماسي" وها هو  رجل الدين "الأسقف" لا ينفي أحدهما الآخر ولا يقصيه، وكلاهما في حاجة إلي كتب العلم والرحلات والأسفار من أجل الحياة الدنيا..

ألا يلقي ذلك بظلال على فكر عربي صوفي إسلامي أصيل تناسيناه كثيرا للأمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه.... أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، ولآخرتك كأنك تموت غداً"؟ وهل العطب الأول عند العرب والمسلمين الذي قاد ولا يزال إلي تأخر النهضة العربية هو عدم القدرة على استلهام التراث الإنساني لأمة العرب ومزجه بحداثة العلم، ذاك الذي ساهموا هم أنفسهم في تصديره لأوربا ذات مرحلة من الزمن؟

 أن منظر الدبلوماسي والأسقف ربما تكون مفتاحا لفهم التناقضات العربية في السنوات الأخيرة، حيث يعمد البعض إلي تغليب الطروحات التراثية والسلفية في ثوبها الأولي، بما لا يتسق والتطور الطبيعي للأشياء، ولا مع حركة الزمن، وبما يبدو في لحظات بعينها معاديا للعلم، فإما الديني بالمطلق، وإما الدنيوي بتمامه، ولهذا تبقي روح الانقسام ساكنة في النفس العربية، ومن وراءها تضيع الرؤي الاستشرافية، وتعجز التطلعات الساعية لكسر تابوهات التخلف عن بلوغ مرادها في الحال أو الاستقبال .

في صورة "هولباين" وبجانب كتاب الترانيم، ثمة كتاب آخر مطبوع يبدو من الوهلة الأولي كتابا دنيويا، لكنه يعرض بعدا أخر قويا من عصر النهضة، هذا الكتاب عبارة عن دليل إرشادي للتجار يتعلق بكيفية حساب الربح والخسارة. ووجوده بجانب الأشياء الأكثر ارتباطا بالنواحي "الثقافية" في اللوحة يوضح أن المال والأعمال في عصر النهضة كانا مرتبطين ارتباطا وثيقا بالثقافة والفن.

ففي الوقت الذي يلمح فيه الكتاب إلي "الرباعي العلمي" للمعرفة الإنسانية في عصر النهضة، فإنه يشير أيضا إلي الوعي بأن الإنجازات الثقافية لعصر النهضة قامت على النجاح في مجال التجارة والمال.

تطرح هذه الجزئية بنوع خاص علامة استفهام حزينة حول دور المال الذي توافر للعرب منذ نهاية الأربعينيات وحتى الساعة في أحداث ثورة ثقافية فكرية علمية من عدمه، ذلك أنه رغم وجود تجارب محدودة للغاية نجحت في تسخير الوفرات المالية العربية لخدمة أغراض محددة بعينها، إلا أن الغالبية الغالبة، لم تعي الرابط المؤكد بين النهضة الحقيقية في شقها المالي وارتباطها بالنواحي الفنية والثقافية والإنسانية، ولهذا بقي السعي للنهضة العربية، سعيا منفردا، يشبه مجموعة من البحارة، على متن سفينه، غير أن كل منهم يجدف في ناحية بخلاف الآخر.

أضف تعليق