Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
عاش الفسيخ حراً أبياً

أمينة خيري



الثلاثاء 18-04-2017

ما يزيد على خمسة آلاف عام لم تحمل في طياتها مخاوف كبرى أو مشاغل قصوى. ظن المصريون أن أقصى ما يمكن أن يكابدوه في مثل هذا اليوم من كل عام هو تسمم جراء تناول أسماك فاسدة أو عسر هضم ناجم عن ألغام الكوليسترول ممثلة في البيض وقنابل الأملاح المتفجرة في الفسيخ والرنجة.

وفي العصر الحديث اعتقدوا أن أسوأ ما يمكن أن يجري في هذا اليوم هو تحرش جماعي تقترفه أجيال ولدت في رحم نظام تعليمي متحلل وعاشت في كنف هيمنة تدين مظهري مكلف، أو حرمان من إغراق في طقوس اليوم المتخمة من أسماك مملحة وبيضات ملونة وذلك تحت وطأة تمكن أمراض الضغط والسكري من طبقات المصريين المختلفة.

وفي السنوات القليلة الماضية، اختلط حابل التفكير في كيفية اقتناء الفسيخ تحت وطأة غول الأسعار بنابل التكفير حيث ذاع صيت مشايخ التطرف زاعقين "شم النسيم حرام والبيض حرام والفسيخ حرام". وفي هذا العام وجد المصريون أنفسهم غارقين في هموم التفجيرات الأخيرة وغموم مزارع الموت المثيرة وجثوم الأوضاع الاقتصادية الغليظة وهبوط أجواء نفسية ثقيلة على صدور الجميع.

كثيرون التزموا بيوتهم في يوم شم النسيم،وحتى القلة القليلة التي تمردت على الهم وخرجت تمارس طقساً من طقوس المصريين عمره آلاف الأعوام سيطر عليها حديث الإرهاب ونقاش التفجيرات والبحث والتنقيب عن بازغة أمل في الوضع الصعب. صعوبة الوضع المصري الراهن بدت واضحة ليلة عيد القيامة التي شهدت حداداً على الشهداء وصلاة عليهم بديلاً عن صلاة العيد وتجلت يوم أمس في انخفاض واضح لأعداد المصريين الذين دأبوا على غزو الحدائق واجتياح كورنيش نهر النيل والإغارة على شواطئ المتوسط، وإن ظل الإقبال على الأسماك المملحة كبيراً إلى حد ما. "أكلنا الفسيخ في البيت. الحالة النفسية غير مؤهلة للنزهة" "اكتفينا بتلوين البيض للصغار فلا ذنب لهم في تجرع الهموم مبكراً" وشروحات مماثلة قالها مصريون يوم أمس عن شم النسيم. وباستثناء الفئة التي سلمت نفسها لدعوات تحريم الربيع وتقبيح الاحتفال وتحقير الفرحة والترويع من كل ما من شأنه أن يحافظ على هوية المصري، وهي الفئة التي تفجر نفسها في دور العبادة وتدرب كوادرها في "مزارع الموت" وتهيئ صغارها لمستقبل قوامه التفجير وإطاره التكفير، فقد التفت جموع المصريين حلو شاشات التلفزيون ليلة شم النسيم لا لمتابعة حفل الربيع المعتاد، أو لمشاهدة فيلم عربي يعرض لأول مرة في مناسبة الأعياد، أو حتى للتحديق في برامج الحوارات الفنية والمسابقات الترفيهية سمة تعامد الشمس على خط الاستواء إيذاناً ببدء الربيع في هذا الجزء من الكوكب، ولكن لرؤية تفاصيل "مزرعة الموت" التي باغتت المصريين في بيوتهم ليلة قبل أيام عبر الشاشات.الشاشات التي بثت على الملايين انفراداً للإعلامي عمرو أديب حيث "مزرعة" ذات أبواب مفخخة يملكها كادر إخواني في البحيرة تحوي ترسانة أسلحة تتراوح بين ألغام أرضية وقنابل يدوية وبنادق آلية وطلقات بأنواعها مخبئة بحرفية شديدة تحت الأرض بدت آثارها واضحة على وجوه المصريين صباح اليوم التالي. عم أحمد (حارس العقار) ضرب كفاً بكف وهو يسأل مستنكراً: "بعد ما كنا نسهر على فريد (الأطرش) مدندناً ليلة شم النسيم "آدي الربيع عاد من تاني" ونصحو على سعاد حسني مجلجلة "الدنيا ربيع والجو بديع قفلي على كل المواضيع" نستيقظ على مصيبة؟!"كل المواضيع التي هراها المصريون تنظيراً منذ اندلاع رياح الربيع في عام 2011، وكل الاختلافات التي نجمت عن الانشغال بالسياسة، وكل الخلافات التي نشأت لتضارب رؤى مستقبل البلاد وتضاد تصورات خير العباد وقفت يوم أمس في كفة مواجهة لكفة القلق مما يجري تدبيره والخوف مما يراد تفعيله. وحسناً فعلت اللافتة الضخمة المعلقة بعرض الشارع في منطقة "ميدان الجامع" التجارية الشهيرة في مصر الجديدة ومكتوب عليها "ارفعي رأسك يامصر فأنت أم الدنيا. مسلمين ومسيحيين مع بعض عايشين. ارفع رأسك أنت مصري. الله محبة الدين لله". إمضاء "الفسخاني المشهور" مهنئاً الشعب المصري بجميع طوائفه.

محلات "الفسخاني المشهور" المتناثرة في القاهرة الكبرى وأقرانها المتخصصة في بيع السلعة ذات الرائحة الأكثر نفاذاً والأثر الأعتى ضرراً شهدت إقبالاً كبيراً من المصريين متحدي الإرهاب المقيت وقاهري التفجير القبيح ومتجاهلي الاقتصاد الرهيب. اشتروا فسيخهم وذهبوا إلى بيوتهم وجلسوا أمام شاشاتهم يتابعوا فقرة تلوين البيض المسلوق وترويض الفسيخ الملغوم تليها فقرة تحليل التفجير المشئوم ثم تفسير فكر الإرهاب المغلوط. تتضارب الأيديلوجيات، وتتعانق الأفكار، وتتناحر المجموعات، ويبقى الفسيخ رامزاً لهوية متفردة ولو كره الكارهون. عاش الفسيخ حراً أبياً!

أضف تعليق