Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
مخدر التدين الموضعي

أمينة خيري



الخميس 12-01-2017

المشهد السياسي الشعبي لا رجاء فيه، حيث الهبد والرزع الدائرين لا يدشنان أحزاباً أو يشيدان كيانات سياسية قادرة على اجتذاب الجماهير، وحيث الهري والهري الآخر والهري الطفيلي المفتئت على هذا وذاك لا تصلح الأحوال أو تبني الأوطان، فقد بات من الواضح تماماً أن كلمة السر لفت ودارت وصالت وجالت وعادت من حيث بدأت في نقطة البداية وهي البشر.

هذا البشر وقوامه ما يزيد على 90 مليون مواطن ومواطنة جرى لهم ما جرى، وأصابهم ما أصابهم حتى تحول سؤال الرائع جلال أمين شعاراً استنكارياً في زمن أغبر. ماذا حدث للمصريين؟ولن تستوي الأمور أو تتحسن الظروف إلا إذا سلمنا بقاعدتين. الأولي هي أننا في حاجة ماسة وسريعة وعاجلة إلى إصلاح جذري. والثانية هي أن التديين الذي ضربنا لم يكن يوماً علاجاً بل كان مسكناً ومخدراً موضعياً يزول أثره تدريجياً.

أربعة مشاهد استوقفتني خلال الأسبوع الماضي وضعت العنصر البشري وما حدث للمصريين تحت المجهر الجراحي. الأول صورة فوتوغرافية مصاحبة لخبر في مناسبة بدء العام الدراسي. وتوضح الصورة جمهرة لأولياء أمور مدرسة حكومية في داخل فناء المدرسة، وفي الشرفة العلوية يجري الأطفال في صراع يبدو أنه محموم للدخول إلى الفصل، بينما أب "ملتح" يساعد صغيره على تسلق ماسورة ضخمة للحاق برفاقه في الشرفة. ويتضح من محتوى الخبر أن السباق المحموم والذي وصل إلى درجة قيام الأب الورع بمساعدة فلذة كبه على تسلق الماسورة من أجل أن يحظى "أحباب الله" بالمقاعد الأمامية في الفصل. ما الذي يجعل أولياء الأمور يدخلون فناء المدرسة من الأصل؟ وأين دور الناظر والمشرفين والمعلمين؟ ثانياً كنت أظن أن محاولة صغير تسلق المواسير تستوجب شجباً من الأهل وتنديداً من المعلمين بأن مثل هذا التصرف جدير بالحرامية. لكن أن يتسلقوا المواسير بدعم ومساعدة الأهل وفي غياب المسؤولين عن المدرسة فهذا تطور كبير وتصرف عجيب. ثالثاً حين يكون الأب المساعد على هذا التصرف ملتحياً، فإن هذا يجدد السؤال حول كيف تدين المصريون؟ وما محتوى هذا التدين الشكلي الذي بدت عبثتيه جلية في الصورة الفوتوغرافية الفريدة؟

المشهد الثاني قد بدت معالمه القبيحة واضحة في رحلة القطار من القاهرة إلى الإسكندرية عبر الطريق "الزراعي" سابقاً "الخرساني الفوضوي العشوائي" حالياً، حيث بيوت صغيرة قبيحة يجري بناؤها بسرعة البرق على الحقول لعل البناء ينتهي ويصبح أمراً واقعاً قبل وصول أعين "الحكومة" وأذرع القانون الضاربة. ويبدو أن الأعين تأخر وصولها كثيراً والأذرع شلت أطرافها طويلاً، إذ أن نسب التعدي كبيرة وألوان الطوب الأحمر والخرسانة الرمادية غلبت الأخضر بدرجاته.

أسئلة كثيرة تطرح نفسها حول غيبوبة القانون العائدة ببطء هذه الآونة، وموت ضمائر أولئك البانين الذين لا يرون سوى منفعة آنية في شقق خرسانية مقامة على أرض مصر الزراعية المحدودة التي هي ملك الأجيال القادمة. الأجيال القادمة والتي حتماً ستلقى حفتها – إن لم يكن اليوم فغداً- وذلك في أماكن شتى بنى فيها المخالفون في غفلة من القانون الذي يعاني غيبوبة غير مسبوقة لا تعتريهم مشاعر خوف أو رعب لدى رؤية الأبراج السكنية القبيحة التي بنيت متلاصقة على شاطئ بحر أبو قير. (والمقصود بالشاطئ هنا هو الشريط الرملي الذي يفترض أن يفصل بين البحر والشارع. عشرات وربما مئات من الأبراج السكنية المرعبة تطل بوجهها القبيح وكأنها تنذر بموت قريب للقاطنين الحاليين والمستقبليين. الصغار في المنطقة ينظرون إلى تلك العمارات بعين ملئها الرغبة والتمني. يحلمون بأن ينتقلوا للعيش في إحدى هذه البنايات العزرائيلية. ولم لا؟ فقد ولدوا في زمن أصبح فيه القبح هو الشائع، والغلط هو الناجع، والمخالف هو المنتصر. وبالطبع، لا تخلو عمارة من عمارات الموت من عبارة أو اثنتين بغرض التبرك وطلباً لرضا السماء "الملك لله وحده" "بسم الله ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله".

المشهد الثالث بطله شاب مصري تبدو عليه علامات العنجهية والتيه، مع إصراره على ارتداء النظارة الشمسية في داخل القطار ذي الإضاءة الخافتة وسماعة الأذن التي لا تفارق أذينه والجل الغزير المسبسب به شعره المتجعد. ينشب خلاف بينه وبين ناظر القطار الذي ظل يتحدث إليه بصوت هادئ مقنعاً إياه بسعر التذكرة غير القابل للتفاوض. فجأة انتفض الشاب، وقال له بصوت جهوري أنه لا يسمح له أن يهدده، وأنه أجنبي محذراً إياه بأنه يحمل جواز سفر أمريكي وأنه سيتصل بالسفارة. وظل الشاب يكرر كلمة "أنا أمريكي" كثيراً في الخناقة الكلامية التي تدخل فيها ركاب القطار وانتهت بضلوع فرد من شرطة السياحة حسم الخناقة لصالح الناظر. المشهد – غير المأخوذ من فيلم "عسل أسود" – عكس عواراً شبابياً واضحاً في الشخصية والتصرف والوطنية.

والمشهد الرابع وهو مستمر متوغل متوحش هو المشهد المروري حيث القوانين ماتت وشبعت موتاً. ولا يمض يوماً دون بعض أخبار عن قتلى الأسفلت والسبب واحد يكاد يكون لا ثاني له. العنصر البشري: سير عكس الاتجاه، قيادة جنونية، تخطي غير محسوب، وغيرها من علامات جنون البشر في زمن غيبوبة إدارة المرور وشيوع السيوف والعبارات الدينية على زجاج السيارات الخلفي. هذه المشاهد وغيرها كثير كفيلة بالإبقاء على دول في بالوعات التاريخ حتى لو كانت متمسكة بتلابيب المظاهر الدينية. فهل من عاقلين راشدين قادرين على انتشال أنفسهم وبلادهم مما نحن فيه؟! لقد ذهب تأثير المخدر الموضعي وحان تطبيق الحلول الجذرية والتطهيرات الحقيقية.

أضف تعليق