Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
مصر والحاجة إلى زمن النهضة

إميل أمين



الجمعة 16-12-2016

منذ الساعات الحزينة الاولى  للاحد الماضي والذي خلف عشرات القتلى  والجرحى في الكنيسة البطرسية بقلب القاهرة ، وعلامة الاستفهام التي لا تنقطع :" كيف وصلت مصر الى هذا الحال وبلغ بها الامر ذلك المآل؟

 لم يكن للمصري ابدا دالة على العنف ، منذ الاف السنين  كان الخلود ديدنه ومبتغاه فكتب اعظم سفر بشري عرفه التاريخ حتى الساعة، " الخروج الى النهار " ، والمشهور على سبيل الخطا باسم " متن الموتى " ، بنى الاهرامات كطريق صاعد الى السماوات العلى ، زرع الارض وفي انتظار الثمار كتب الاشعار ، وناجى اخناتون الاله الواحد .

 لم يكفر كهنة آتون نظرائهم من كهنة آمون ،  ولاحقا  لم يحدث كذلك العكس ، وتعايش الجميع في منظومة انسانية خلاقة تركت  وراءها  معابد الكرنك ومسلات ميادين العالم شهادة حية على  بشر عاشوا عالم من السلام والوئام مع الذات ومع الاخر ومع الطبيعية .

ما الذي حدث لمصر وللمصريين ؟

 تساؤل لم يكل حتى الساعة علماء الاجتماع من طرحه ، ومن اسف شديد انه رغم وجود اجابات عديدة  ومؤلفات قائمة بعينها الا ان احدا لم يقدم روشتة ناجعة لملاقاة الاهوال التي كانت  ولا تزال رابضة لنا خلف الباب، باب مصر الحضارة والتاريخ وقبول الاخر .

جل الشعب المصري يتساءل ما الذي دار في عقل الانتحاري الشاب الذي اقدم على فعلته هذه  ؟ اي ارادة تملكته هل هي ارادة الحياة ام انها ارادة الموت ؟

من الواضح جدا ان ارادة الحياة والنماء ، البناء والازدهار ، التعايش والتلاقي ، التنافح والانفتاح على الاخرين التي ورثها عن اجداده الفراعنة قد توارت  بالمرة  ولم يعد لها اثر ، وما  طفا على  السطح في تلك اللحظات الاليمة هي ارادة الموت  والفناء ، النار والمرار والدمار ....ما يعود بنا الى السؤال المتقدم من جديد ... من المسؤول عن  هذه الكارثة ؟

 ما  جرى صباح الاحد ليس حادثة ارهابية اعتيادية  ، انها كارثة حقيقية دون تهويل ،  كارثة هددت  وتهدد لا الاقباط في مصر ، وانما  النسيج الاجتماعي المصري المتماسك عبر سبعة الاف سنة .

كثيرا جدا تكلم الاستاذ محمد حسنين هيكل رحمه الله عن اهم مقومات الامن القومي المصري ، وقد وقر لديه دوما ان مياه النيل والوحدة الوطنية  بين الاقباط والمسلمين هما المفتاح وحجر الاساس ، وان اي اختلال لاحدهما يمكن ان يصيب الجسد المصري في مقتل ، ومن اسف شديد ها نحن نرى الان مياه النيل كم هي بالفعل تحت رحمة المؤامرات الدولية ،  وكيف ان الوحدة الوطنية صارت  بدورها ايضا  مهددة .

متى  سمحنا  للمجتمع المصري ان يتغير على  هذا النحو غير الخلاق ؟  ومتى سمحنا لاخرين ان يقلبوا التربة المصرية في غفلة من الزمن ليزرعوا فيها بذورا  وافكارا لا تلائم الاجواء الفكرية والحضارية المصرية ؟

السؤال ليس من قبيل  توجيه الاتهام لاي احد ، بل من باب مراجعة الذات المصرية وليس جلدها ايضا  .

في اللغة الصينية تبقى كلمة ازمة  تحمل معنيين في صورتين ، صورة الخطر   وصورة الفرصة ، اما ضعفاء النفس والذاكرة والارادة  فان الازمة   بالنسبة لهم هي الخطر  ، فيما  اصحاب العقول التقدمية المبدعة فيرون في الازمة  فرصة جيدة لمراجعة  ما سبق ، ومعرفة من اين بدا السقوط وكيف لنا  ان نبدا  من جديد رحلة الصعود .

لعل الشاب الذي دلف الى الكنيسة البطرسية  صبيحة الاحد ليفجر المؤمنين الركع السجود ، وقبل ان يكون نتاج للفكر الداعشي ، هو افراز لمعطيات ثقافية وسياسية ، اقتصادية واجتماعية ، غريبة كل الاغتراب عن مصر الولادة  حضاريا  .

واغلب الظن ان ذلك الشاب هو ضحية قبل ان يكون جاني ، ضحية اولئك الذين شكلوا له ابجديات تفكيره عندما غابت العملية التعليمية  الحقيقية ، واضحى الابداع عمل من الرجس الشيطاني ، وبات الاتباع هو الطريق السليم والقويم للغد ، ضحية منظومة اعلامية مهترئة لا تقدم حقائق ومثل واخلاقيات بل كارتلات من المنتفعين ، ضحية نخبة نهبوية لا جماعة نهضوية  تقود الامة في اوقات المحن  والملمات ،  ضحية خطاب ديني مل الجميع من الحاجة الى اعادة تقييمه وتخليصه من الشوائب التي  لحقت به .

حديث الالم يطول ويمكن للمرء ان يقدم مؤلفات بعينها في هذا الاطار الحزين ، غير ان اهم ما يتوجب ان نلفت اليه النظر هو ان المشهد حق خطير وفي حاجة الى  عمل جاد وسريع والا فالاسوا لم يات بعد ، مصر في حاجة الى نهضة حقيقية ، نهضة تواكب المستقبل دون ان تتنكر لامجاد الماضي ،  وهذه هي الوصفة السحرية التي تحتاج لعقول مبدعة وخلاقة ، ولحسن الحظ مصر مليئة من هذه العملة الجيدة .

 آنية اللحظة تستدعي شكلا من اشكال التنادي والوقوف  صفا  في مواجهة  غوائل الايام وعوادي  الدهر ،  فالمهدد هو مصر في حاضرها  وفي مستقبلها  ، في شبابها  وشابتها ، مصر في حاجة  لنهضة تعود بها الى  قوتها الناعمة  من جديد ولا يمكن لمثل هذه عودة  ان تحدث  بدون سبيكة اجتماعية داخلية قوية ومتماسكة .

أضف تعليق