Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
ملوك الطوائف.. مأساة الماضي ومخاوف الحاضر

إميل أمين



الجمعة 09-12-2016

هل بات إحياء الذاكرة التاريخية للأمة أمرا واجب الوجود لاسيما في ظل هذه الهجمة الشرسة علي ذاكرة الأمة وتصورها عن نفسها وعن العالم ؟

 هذا سؤال جوهري يتوقف معه الدكتور جاسم سلطان في كتابة الذي يحمل عنوان هذا المقال, والصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر, ودافعه إلي الغوص في عمق تلك الإشكالية ان الحرب اليوم لا تدور بين الأساطيل والطائرات وحسب, وإنما هي حرب نفسية اشد ضراوة وأخطر تأثيرا, موجهة إلي استلاب العقول والقلوب, انها الحرب التي لا تتوقف أناء الليل وأطراف النهار ... هل هي حروب ثقافية موجهة باتت تتجاوز المواجهات العسكرية التقليدية ؟

هذا ما يشير إليه المؤلف, ذلك إنك إن فتحت المذياع أو أدرت مؤشر التلفاز, ويمكنك أيضا حال دخولك شبكة الانترنت, ان تنظر إلي وتستمع كذلك عبر الفضاء الفسيح إلي حالة من الاحتراب الإعلامي الضخم الذي يستهدف المدارس والتعليم وعمليات التثقيف المختلفة.

ما الذي تفعله هذه الأدوات المعرفية التي باتت في ضراوة الأسلحة الحربية وربما افعل ؟

حكما انها تشكل من خلال ذلك كله العقل, لا في عالمنا العربي وحسب, بل علي مستوي العالم اجمع, وللقوة المتفوقة

اليوم النصيب الأوفر والباع الأطول في إعادة تشكيل الخارطة الذهنية للمجتمعات البشرية .

هل في الأمر فخ معرفي إدراكي لا تقل خطورته عن معارك النار والدمار ؟

 يذهب الكاتب إلي انه عندما تكون أداة الحرب هي الاعلام والمدارس فإن الخصم يتخفي ويتلون ويقوم كل مرة باحتلال مساحات صغيرة من العقل البشري, حتي يجد الإنسان نفسه متلبسا لمقولات الأخر من دون تمحيص أو تفكير, ويعتمد الخصوم في ذلك علي أن الأغلبية العظمي من البشر لا تقرأ ولا تمحص, وإنما تتلقي كل شئ من الخارج, وهذا في واقع الأمر هو الفخ الكبير .

غير ان الوعي والانتباه لهذا الفخ, يجعل منه نقطة محورية تدفعنا إلي إدراك أهمية إحياء الذاكرة التاريخية للأمة, فالهجوم علي التاريخ الإسلامي وإعادة تشكيله وانتقاصه وتعظيم تاريخ القوي الغازية لبلاد الإسلام, يؤثر تأثيرا كبيرا حتى في صفوف من يظن أنهم يقعون في طليعة المحركين لعملية النهضة .

وعند الدكتور حاتم سلطان ومن خلال مرئياته أن كثيرين من العاملين للنهضة لا يمتلكون خارطة واضحة للتاريخ البشري, وكثير من الاستشهادات والاستدلالات التي يلجوؤن إليها تبدو مبتورة وفي غير موضوعها, وعلية يجئ هذا الكتاب لمحاولة ردم هذه الفجوة .

يكتب المؤلف تحديدا من اجل القارئ الذي يشق عليه في خضم مشاغل الحياة المتعددة أن يلجأ إلي أمهات الكتب والمراجع والبحوث, وهو يمثل الشريحة الكبيرة من المجتمع الإسلامي التي تعد أمل الغد المشرق .

يهدف الكاتب من خلال سطور كتابه هذا إلي الوصول إلي عدة أمور في مقدمتها فهم أطوار الحراك التاريخي التي تمر بها أي حضارة حتي تقوم, وكذا رسم خارطة مبسطة لصعود الحضارة الإسلامية وهبوطها, وفي ذات الوقت رسم مشاهدة حية لهبوط الحضارة الغربية وصعودها .

سطور الكتاب أيضا تميط اللثام عن مسالة جوهرية, تجافي وتنافي فكرة الصراع الحتمي للحضارات التي نادي بها هنتنجتون في اوائل تسعينات القرن المضرم, اذ تشير إلي أزمنة وأمكنة تقاطع مساري الحضارتين الإسلامية والغربية .

يناقش الكاتب في منهجية تاريخه وعلميه الدور الذي لعبته الحضارة الإسلامية في نقل البشرية من طور الطفولة إلي طور الرشد العلمي, ثم يتناول قضية الأدوات المعرفية التي وفرت لأوروبا عبر تراكم كمي ونوعي نهضتها المعروفة, وفي ذات الوقت يسال عن الأسباب التي أدت بالعالم الإسلامي إلي التخلف .

هل الأسئلة أهم من الإجابات ؟ فلسفيا هذا أمر صحيح ومقطوع به ذلك لان الإجابات تقدم لنا افقآ واحدا قد يبدو احيانا ملزما وضيقا, في حين أن الأسئلة تفتح المجال للتفكير في اتجاهات عدة, وتقودنا أحيانا عبر دروب الحيرة العقلية إلي مسارات ودروب تفكير غير تقليدية .

إن الفهم بالنسبة لصاحب الكتاب هو النقطة الحرجة في إنجاح عملية النهضة, ويقصد به وجود صورة أو إطار واضح المعالم يستند إليه الساعون إلي النهضة, وينطلقون من خلاله،  إطار مرشد, تتدفق بين ضفتيه مياه النهضة في حركتها ونشاطها لتلتقي في المصب, فلا تتشتت الجهود ولا تضيع, ومن أهم خطوات بناء هذا الإطار الجامع السعي لأحياء الذاكرة التاريخية للأمة.

هل التحدي الآني والهجمة الفكرية التي يتعرض لها العالم العربي والإسلامي في حاضرات أيامنا هي الأولي من نوعها أم الأكثر خطورة عبر مسارات التاريخ ؟

يقطع صاحب الكتاب ان الأمة الإسلامية منذ نشأتها وهي تتعرض علي مر العصور والأحقاب المتتابعة لتيار متصل من التحديات والإخطار أشبه ما يكون بالتيار الكهربائي والذي تمثل الإخطار ألكبري كالحملات الصليبية والهجمة التتارية, ومحاكم التفتيش في الأندلس, ومعاهدات التجزئة والتقييم, ثم إسقاط الخلافة, وهي قمم موجاته, ويخطئ كل من يحصر الإخطار والتحديات في قمم الموج فقط, فتيار المخاطر لم ينقطع البتة, ولم تكن تنكسر موجة الا لتعلو غيرها . وما بين الانكسار والعلو تلتقط الأمة أنفاسها قليلا استعدادا للموجة التالية .

ما الذي تفيده مثل هذه القراءة التاريخية لذاكرة الأمة من جهة وللواقع المعاصر من ناحية ثانية ؟

 حكما انها تنقلنا من مجرد الاستجابة المتشنجة للتحديات القائمة, ومن المحاولات المستميتة والمضطربة للتغلب علي قمة الموجة العاتية, إلي وضع رؤية إستراتيجية شاملة واعية راشدة في محاولة التقليل من قوة الأمواج المستقبلية, ومن ثم للوصول الي قمة المجد الحضاري في المستقبل .

ما هي أهم التحديات التي تواجه الأمة في الوقت الراهن وما هي سبل التصدي لها ؟

 يجمل صاحب العمل التحديات التي تواجه الأمة في ثلاثية التخلف والاستعمار والفرقة, ويؤكد أنه لا يمكن التصدي لهذه التحديات الا بالعمل علي أربعة أصعدة هي : الصعيد النفسي, والفكري, والتنظيمي, والمادي.

 تستلفت رؤية المؤلف الانتباه إلي أهمية اللحظة الراهنة في تاريخ الأمة, وعنده أنه من أوجب الواجبات ألان عكوف قادة النهضة وطلابها علي تمحيص السبل والوسائل للانتقال بالأمة من مرحلة الصحوة التي طال أمدها واستطابت ثمارها إلي مرحلة اليقظة والرشد والوعي .

كما يخلص إلي ان الانتقال بالأمة من مرحلة الخطط التشغيلية والتنفيذية إلي مرحلة الخطط الإستراتيجية وهو وحده الكفيل بالقضاء علي الأمواج, وتقليل تيار المخاطر إلي الحد المسموح به .

يعطي الدكتور سلطان لقراء هذا الكتاب جرعة طيبة من التفاؤل الايجابي الخلاق, إذ يري ان تباشير الانطلاق إلي مرحلة اليقظة قد بدأت بالفعل علي مستوي عوالم ثلاثة, عالم الأفكار, وعالم الأشياء, وعالم العلاقات ... هل من رؤية تفكيكية ما لكل عالم من تلك العوالم الثلاثة ؟

بداية وفيما يتصل  بمستوى عالم الافكار فان الساحة النهضوية  تموج ألان بكثير من الأفكار التي تتدافع في ما بينها وسوف يكتب لاصلح هذه الأفكار وأقواها البقاء والصمود .

وقد شهد القرن العشرون صعود نجم كثير من الحركات النهضوية الإصلاحية والتغييرية التي أحدثت فارقا ضخما ونقلة حقيقية في عالم الأفكار, كما ظهر عددا من الكتابات النوعية التي وان كانت شحيمة ونادرة, الا انها بادرة ايجابية ومؤشر علي التطور الذي يشهده عالم الأفكار في المشروع النهضوي الإسلامي

هذا بعض حصاد مرحلة الصحوة في ما يتعلق بعوالم الأفكار .

ماذا إذن عن مستوي عالم الأشياء ؟

الثابت ان بعض الدول الإسلامية استطاعت امتلاك تكنولوجيا متقدمة علي الصعيدين العسكري والمدني, بما يؤهلها لإحداث بعض التوازن مع القوي العالمية الاخري عسكريا ومدنيا, واقرب الأمثلة إلي الذهن باكستان النووية, وماليزيا العملاق الاقتصادي القادم ... هل هذا كل شئ ؟

بالقطع لا يزال أمامنا كثير لردم الفجوة التكنولوجية والاقتصادية الهائلة بين أمتنا وبين القوي المهيمنة الاخري, وما تزال أكبر المشاكل التي تواجه الأمة العربية والإسلامية, التبعية الاقتصادية ومشكلة السماء المفتوحة .... ما الفرق بين الأمرين ؟

من الواضح أن التبعية الاقتصادية تجعل الأمة تدور في فلك المستهلكين لا المنتجين . كما أن التبعية الاقتصادية يلازمها بالضرورة التبعية السياسية وما يترتب عليها من قرارات تتعلق بالصراع والتنمية والنهضة جميعا

أما مشكلة السماء المفتوحة فيقصد الكاتب بها عجز العالم الإسلامي عن حماية سمائه ضد القوة المادية الصلبة التي قد تستخدمها القوي الاخري إذا ما تململ المارد الإسلامي أو حاول التحرك أو القيام من كبوته . انها تعني الخوف من عواقب أي قرار سياسي حقيقي بل الخوف من ان يساء فهم أي قرار سياسي ...... ما الذي يتبقي إذن ؟

الحديث عن المستوي الثالث وهو عالم العلاقات, فلا يزال هذا العالم أكثر العوالم الثلاثة تخلفا, فالعلاقات, لا تزال مضطر بة  بين الحكام والمحكومين, وبين الأحزاب والهيئات والسلطات, وبين الحركات النهوضية بعضها بعضا, بل وبين الحكام أنفسهم, ولا تزال الانقلابات والاستفتاءات هي أسلوب تداول السلطة أو احتكارها, وما أشبة عالم العلاقات في يومنا هذا بعالم العلاقات الذي كان سائدا في عصر دول وملوك الطوائف في الأندلس, وكم ستكون النهايتين متشابهتين لو استمر عالم العلاقات علي هذا الحال .

والخلاصة هي ان استجابة الأمة الإسلامية والعربية للتحديات الآنية هي استجابة إيجابية إلي حد بعيد, ولكن لا يزال أمام الأمة البحث عن الوسيلة الذهبية التي يحسم بها الصراع وتزول معها الأدواء .

والأمة ممثلة في علمائها ومفكريها وقادة وطلاب النهضة وهي في طريقها للوصول إلي تلك الوسيلة الذهبية ينبغي عليها الا تغفل طريقا أو سبيلا أو فكرة إلا وتمحصه أو تجربه, وينبغي ألا تشغلها مصارعة الموجة الحالية التي ستنكسر بلا شك, عن التفكير العميق في كيفية الخروج من دوامة الأمواج العاتية المتتالية لعلها تجد مخرجا أو تصادف منقذا .

 

أضف تعليق