Google+ You Tube Linkedin Twitter Facebook

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

تحت رعاية
الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود
المشرف العام ـ رئيس التحرير عبدالمنعم الأشنيهي |مديرالتحرير محمد عبد الرحمن
أحدث الأخبار :
اسيزي.. التسامح العالمي المنشود

إميل أمين



الجمعة 02-12-2016

أحد أهم الأسئلة  التى تشكل معضلة كبري للبشر في القرن الحادي والعشرين: " ماذا عن حالة التسامح والتصالح علي وجه الأرض، بين الإنسان وأخيه الإنسان، بين الأمم والشعوب القبائل.... وعلاقة تلك الحالة بالمد الأصولي، وارتفاع مستويات العنف إلي درجات غير مسبوقة، تنذر بل وتحذر من  مواجهة كونية قادمة لا محالة من جراء التمترس وراء الذات، وتجذر الأصوليات بشكل سلبي لا إيجابي؟

هنا يعن لنا أن نتساءل هل غياب التسامح الذي يولد السلام هو السبب في نمو الأصوليات الضارة التى تطرح الخصام والصدام كآليات للتفاهم بين البشر؟ وهل العنف باسم الله هو حقيقة أم فرية لا علاقة للذات الإلهية - تباركت وتعالت - بها، والإنسان هو مصدر الخير الأرضي وكذا الشرور الأرضية إن أراد؟

قبل نحو ثلاثين عاما كان العالم علي وشك الانفجار والدخول في مواجهة نووية لا تبقي ولا تذر، كان ذلك في العام 1986، كان السلام والأمن العالميين وقتها  مهددين بدرجة بالغة من جراء أصوليات أيديولوجية ان جاز التعبير، بين المعسكرين الشرقي والغربي، حلف الناتو، وحلف وأرسو، وساعتها دعا سعيد الذكر البابا الراحل "يوحنا بولس الثاني" بابا الفاتيكان، رؤساء الطوائف والمذاهب من كل أديان العالم، للاجتماع في اسيزي، للصلاة من أجل السلام، وللوقوف في وجه العنف والخصام المتفجر والذي يكاد يذهب بالبشرية إلي حيث لا رجعة.

لم تكن الدعوة للقاء في مدينة أسيزي بالتحديد، دونما بقية المدن الإيطالية والأوربية، دعوة اعتباطية، ذلك لأنها كانت ولا تزال تحمل عبقا لتاريخ أحد أهم صناع السلام في التاريخ البشري، وأكبر وأكثر الرافضين لمشهد "الأصوليات الدينية الأوربية"، في القرون قبل الوسطي بقليل، كانت اسيزي موطن "فرنسيس" الذي عرف بالاسيزي، هذا الرجل الذي تجرد من مباهج الحياة، وأضحي أول داعي للتعايش والسلم مع العالم الإسلامي.

في حياة "فرنسيس الاسيزي" كانت الحروب الصليبية تستعر نيرانها، وهنا شد فرنسيس الرحال ليقابل سلطان المسلمين في مدينة دمياط المصرية، وليصيح بأعلى صوته منذراً معسكرات الصليبين بالهزيمة الساحقة، قائلا لهم أن خطاياكم هي التى تسد الطريق إلي الأراضي المقدسة لا المسلمين، وقد ألتقي بالسلطان الكامل ابن السلطان العادل الأيوبي الذي أكرم وفادته، ودارت بينهما حوارات وسجلات، إلي إن رحل بسلام من مصر إلي الأراضي المقدسة في فلسطين، لتنتصر رسالة المحبة والتسامح، علي دعوات العنف الأوربي الذي قاتل باسم الله.

في الفترة من 18 أيلول سبتمبر الماضي وحتي العشرين منه كانت مؤسسة "سانت أيجيديو" الكاثوليكية تطلق نداءا لمؤتمر عقد في مدينة اسيزي عينها تحت عنوان "اسيزي" عطش إلي السلام".

كانت فكرة اللقاء بحسب "ماركو إيمباليوتسو" رئيس تلك الجماعة التى تلعب دورا غاية في الأهمية علي صعيد الحياة الفكرية والسياسية حول العالم تدور حول كيفية مواجهة الصراعات والإرهاب والعنف الذي بات يملأ العالم، بسبب التمحور حول الذات وعبادتها، الأمر الذي يعني أن زمن الأصوليات بحسب تعريفه كان يقضي علي ما تبقي في العالم من مساحات للأمن والأمان، والتفاهم والوئام.

عبر ثلاثة أيام وفي حضور قرابة 500 قائد ديني من أصقاع وبقاع العالم المختلفة، يمثلون تسعة ديانات، تناقش الحضور في كيفية جعل روح أسيزي أكثر فعالية، وكيف يمكن للقادة الدينيين أن يساهموا في تحقيق السلام حول العالم وتقليص الآثار الضارة للتعصب والتمذهب؟

الحوارات التى شهدتها جلسات اللقاء توقفت عند أسئلة جوهرية ومحورية، وبدون أجوبة شافية وافية لها سيكون مآل البشرية الضياع، والحرب الكونية من جديد.

توقف قادة أديان العالم في اسيزي أمام عالمنا وهل فقد عقله وضوابطه؟ ثم كيف نستطيع أن نقلص ونحجم من مساحة الفكر والعقل المغشوشين عند الأصوليين جميعهم دون تفريق، أولئك الذين يشكلون المادة الخام للإرهابيين تاليا، والذين يحتكرون ويقتلون باسم الله؟ ثم وهذا هو الأهم أين ينفتح مجال للسماحة والاحترام؟ للمحبة والسلام في قريتنا العالمية؟ قريتنا الشاملة بالمحبة والاحترام.

والشاهد من خلال جلسات المناقشات أنه كانت هناك رغبة  عامة للبحث في جذور وجسور علاقات التسامح والتصالح بين الشرق والغرب، الإسلام والمسيحية بنوع خاص، واستحضار روح الأسيزي، من خلال البحث في القواعد التى خلفها لنا الأنبياء والحكماء، منذ آلاف السنين، ذلك، أن أردنا النجاة من طوفان الأصولية العنيفة المحدثة وفي سبيلنا لكي نحيا معا في عالمنا المعاصر، وفيما بعد وتأسيسا عليها استنتاج قواعد ومبادئ وأسس ومناهج للمساحة والتصرفات المثالية التى يمكنها أن تنشط الاحترام تجاه الآخر المغاير في اللون أو الجنس أو الدين، والتقدير والتقبل تجاه الأقليات العرقية، والشعوب الأثنية.

كان الصوت الواضح في ردهات اللقاء، هو صوت  العقل المتسامح والمتصالح من أجل الإسهام في عالم متناغم يقبل الآخر ويحتويه دون أن يطلب منه أن يتخلى عن إيمانه أو مذهبه.

نموذج التسامح الخلاق ظهر في أسيزي في اليوم الأخير، الذي شارك فيه البابا فرانسيس، الذي بات يعتبر علامة مصالحة وتسامح بين رجالات أديان العالم، وصيحة تواضع في وجوه المتغطرسين من أصحاب الأصوليات المتكبرة بل والمتجبرة.

في كلمته الختامية كرر البابا لأكثر من مرة :" وحده السلام هو مقدس وليس الحرب، مضيفا :" أن أي شكل من أشكال العنف لا يمثل الطبيعة الحقيقية للدين... لقد أتينا إلي اسيزي كحجاج بهدف البحث عن السلام"، ثم ذكر الجميع بالنزاعات المنسية والألم الذي يعيشه اللاجئون وقلق الشعوب الطوافة إلي السلام.

أجمل حائط صد كان للمرء أن يوقن به بالمطلق في اسيزي تجاه الأصوليات العنيفة، هو مشهد الصلاة  هناك حيث كل رجل دين إلي جانب آخر، وأن اختلفت العادات والطقوس وتباينت الكلمات والشعائر، لكنها كانت دعاء الى خالق الكون الواحد ،  والأجمل هي صلاة كل واحد من أجل الآخر، كانت صلاة ورغبة التعاون اللتين تسمحان بسلام حقيقي، السلام، كلمة بسيطة أنما في الوقت نفسه صعبة.

من اسيزي هبت علي العالم المفكك والأصولي رياح تسامح ومصالحة علها تقرب الشعوب من بعضها البعض، وتمحو المخاوف من القلوب، وتجلو الأصوليات العنيفة من الصدور والعقول.

 

أضف تعليق